+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 27
  1. #1
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي خطب منبرية حول الدعاء وفضله وآدابه




    خطب منبرية
    حول
    الدعاء وفضله وآدابه


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  2. #2
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    مرزوق سالم الغامدي
    مكة المكرمة


    ملخص الخطبة

    1- منزلة الدعاء من العبادة. 2- موجبات إجابة الدعاء. 3- كيف يجيب الله دعاء الداعي. 4- بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والمخصوصة ببعض الحالات والمواطن. 5- فضل الاستغفار.


    الخطبة الأولى



    أيها الإخوة: تكلمت في الخطبة الماضية عن الذكر وفضله وأهميته، وإن الدعاء من الذكر، لذلك سوف أتكلم اليوم بإذن الله تعالى، عن الدعاء وآدابه وعن بعض الأدعية والأذكار التي لها فضل كبير والتي ينبغي على كل مسلم حفظها والعمل بها كل يوم ليزيد في درجاته ويكثر من حسناته ليفوز برضوان ربه وغفرانه.

    أيها الإخوة: إن الله عز وجل أمرنا بدعائه وسؤاله في كل حين، والذي لا يسأل الله سبحانه وتعالى فإنه يغضب عليه. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه)).

    والدعاء أيها الإخوة: هو العبادة. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة)) وقال الله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ذاخرين، أي صاغرين. فالله عز وجل قال: ادعوني، ثم قال: إن الذين يستكبرون عن عبادتي أي عن دعائي وتوحيدي سيدخلون جهنم صاغرين، فالدعاء هو العبادة. قال الله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين)).

    واعلموا أيها الإخوة: أن للدعاء آداباً ينبغي على المسلم أن يلتزم بها في دعائه، من هذه الآداب، أن يكون المسلم على طهارة وأن يكون مستقبلاً القبلة إن استطاع، وأن يبدأ الداعي بالحمد والثناء على الله عز وجل ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل دعاءٍ محجوب حتى يصلى على النبي)) صلى الله عليه وسلم. وأن يكون صوت الداعي منخفضاً، ويكرر الدعاء ثلاث مرات وأن يتخير الداعي الأوقات والأحوال التي تكون أرجى للإجابة. مثل آخر الليل في السحر، أو في السجود في الصلاة، أو عند السفر أو عنـد نـزول المطر. أو بين الآذان والإقامة، أو قبل التسليمتين في الصلاة، وآخر النهار يوم الجمعة، وفي الوتر من العشر الأواخر من رمضان، لعله يصادف ليلة القدر، ويوم عرفة.

    وعلى المسلم أن يدعو الله في الرخاء والشدة. مع الإلحاح في الدعاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء)). وعلى العبد المسلم أن لا يستعجل الإجابة، وألا يدعو بإثم أو بقطيعة رحم مع يقينه بالإجابة، فالله عز وجل يعلم ما هو أنفع لعبده، فالداعي إما أن يستجاب له، أو أن يصرف عنه من السوء على قدر دعائه، أو أن تدخر له الإجابة والأجر يوم القيامة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له من الأجر مثلها، ما لم يـدع بإثم أو قطيعة رحم))، وفي رواية: ((ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ودعـوت فلم يستجب لي)) فقال رجل: إذاً نكثر؟ قال: ((الله أكثر)).

    ومن أراد أن يكون مجاب الدعوة فلا يأكل إلا حلالاً طيباً ولا يشرب إلا حلالاً طيبــاً، ولا يلبس إلا حلالاً طيباً.

    ومن آداب الدعاء أيها الإخوة: أن يتخير المسلم من أسماء الله تعالى ما يناسب ما يريد الداعي أن يدعو به ربه سبحانه وتعالى فمثلاً إذا أراد طلب الرزق يسأل الله بأسمائه: الرزاق الكريم الغني الحميد بالإضافة إلى أسماء الله الأخرى المناسبة، أما إذا أراد أن يدعو على الكفار، فيسأله بأسماء: العزيز الجبار الواحد القهار، أما إذا أراد أن يدعو الله بالمغفرة والرحمة فيسأل الله بأسماء: الغفور الرحيم ذو الجلال والإكرام وهكذا.

    وعلى الداعي أن يكون حاضر القلب أثناء دعائه فإن الله لا يستجيب دعاء الإنسان الغافل الذي يدعو بلسانه بينما قلبه منشغل بأشياء أخرى، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وأعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ)).

    أيها الإخوة: إن على الإنسان أن يكثر من الدعاء في كل الأوقات وأن يدعو لنفسه أولاً ثم لأهله وأقاربه وجيرانه وإخوانه المسلمين، فإن في الدعاء تحقيق للعبودية لله تعالى، وفيه من الخضوع والخشوع والتذلل لله سبحانه وتعالى ولكننا نرى بعض الناس لا يدعو لنفسه ولا لأولاده وأهله وإخوانه المسلمين، إنما تعلق قلبه بدعاء الأئمة والخطباء يوم الجمعة أو في دعاء القنوت في التراويح في رمضان، بينما هو لا يدعو لنفسه أبداً، فهذا مخالف لمنهج السلف الصالح، فهذه عائشة رضي الله عنها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمها دعـاء تقولـه في ليلة القدر، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) فلاحظوا أيها الإخوة أن عائشة رضي الله عنها ما طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم علمها دعاءً تقوله هي بنفسها، وفي ذلك إشارة مهمة إلى أن الأصل أن يدعو الإنسان بنفسه في كل الأحوال، ثم على المسلم أن يتخير من الأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يتمسك بجوامع الدعاء. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك ويتعلم تلك الأدعية من القرآن والسنة وأن يخلص لله تعالى في دعائه وأن يخلص النية فإنما الأعمال بالنيات. اللهم وفقنا لم تحب وترضى واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.







    الخطبة الثانية



    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة: إن الأدعية والأذكار الثابتة بالقرآن والسنة النبوية الصحيحة ،كثيرة جداً تملأ عشرات بل مئات الصفحات .. فعلينا أن نلتزم بالثابت الصحيح وندع ما سوى ذلك.

    وأفضل هذه الأدعية والأذكار والفاتحة: أم الكتاب، وهي رقية من لدغة العقرب كما هو معروف وثابت بالسنة النبوية، أما قراءتها على روح الميت، أو عند الخِطْبة، خطبة النساء أو عند إجراء العقود، كل هذه الأمور غير ثابتة بل هي من المبتدعات والمحدثات التي ينبغي على المسلم أن لا يفعلها.

    ثم تأتي سورة البقرة التي لها فضل عظيم في حفظ البيت الذي تقرأ فيه، تحفظه من الشيطان ومن السحرة، وفيها آية الكرسي التي من قرأها صباحاً يحفظ يومه ذاك من الشيطان حتى يمسي، وإذا قرأها مساءً يحفظ ليله من الشيطان حتى يصبح. وأيضاً من قرأها دبر الصلاة ثم مات دخل الجنة كما جاء في الحديث عن أبي أمامة أنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)) وخاتمتها – أي خاتمة سورة البقرة - آيتان من سأل بهما الله أعطاه، ومن قرأهما في ليلة كفتاه.

    وسورة الإخلاص والمعوذتان لها فضل عظيم وأجر كبير وٍحرز من الشيطان والعين، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما ثم قرأ الإخلاص والمعوذتين فمسح بهما وجهه وجسمه. يفعل ذلك ثلاث مرات، لاحظوا أيها الإخوة أن الفائدة المرجوة من هذه الآيات والسور تكون بقراءتها – قراءة تدبر ووعي وفهم – وليس بتعليقها في لوحة أوخرقة، أو ميدالية ذهبية تعلق على صدور الأطفال. فكل هذه الوسائل المحدثة يجب على المسلمين عدم فعلها، وعليهم أن يفعلوا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته ودعائه وذكره حتى يقبل منهم هذا العمل.

    أما الأذكار الثابتة من السنة النبوية فأفضلها التهليل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شئ قدير. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه)) وقول: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خير مما طلعت عليه الشمس))، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه ذكراً ودعاءً ينبغي لنا حفظه وتعلمه حيث قال له: ((ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملئ ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله على ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملئ كل شيء، وتسبح الله مثلهن، تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك)).

    أيها الإخوة: جاء في الحديث المتفق عليه: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)).

    وأختم بهذا الذكر الذي من قاله مرة أعتق ثلثه من النار، ومن قاله مرتين أعتق ثلثيه من النار، ومن قاله ثلاث مرات أعتق كله من النار، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وهذا الذكـر هـو: ((اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأشهد من في السموات ومن في الأرض أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك)).

    أيها الإخوة: لم أقصد في خطبتي هذه حصر الأدعية والأذكار الثابتة بالقرآن والسنة، ولكنني قصدت الإشارة.

    وبالرجوع إلى كتب السنة الصحيحة يمكن الإطلاع على تلك الأدعية والأذكار، وإذا كان يصعب على المرء الرجوع إلى كتب السنة فعليه بكتاب رياض الصالحين للإمام النووي، والذي أرى ألا يخلو منه بيت مسلم، ففيه من الأمور الشرعية التي لا يستغني عنها كل من أراد الزيادة في الأجر والبعد عن الوزر .كما ينبغي على كل مسلم أن يكثر من الاستغفار بقول: أستغفر الله، أستغفر الله أو يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، أو يقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فإن في كثرة الاستغفار فرج من كل همّ، ومخرج من كل ضيق، ورزق من حيث لا نحتسب. قال الله تعالى: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً وكذلك يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة في هذا اليوم يوم الجمعة، فإن في كثرة الصلاة عليه تفريج للكرب ومغفرة للذنب وزيادة في الرزق.

    فاللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه عدد ما خلقت وعدد ما تخلق إلى يوم القيامة يا رب العالمين.

    وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  3. #3
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    محمد الحكمي
    الطائف




    ملخص الخطبة

    1- مكانة الدعاء وفضله 2- أمثلة لدعوات الأنبياء عليهم السلام وأدبهم في دعائهم وتواضعهم لربهم 3- حث الناس على الاهتمام بشهر شعبان والحرص على الصيام فيه لما ورد في فضله


    الخطبة الأولى



    عباد الله:

    أوصيكم ونفسي بعد تقوى الله عز وجل بالإلحاح عليه بالدعاء فإنه من لم يسأله يغضب عليه وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين .

    أيها المؤمنون:

    ويلهج الأنبياء عليهم السلام ألسناً بالدعاء ويكسر القلوب منهم الرجاء، وتشرئب الأعناق وترتفع الأكف ضارعة إلى خالقها ومولاها، تستمطر رحمته، وتستنزل نصرته، إنه الدعاء باب الذل والخضوع إذا أغلقت الأبواب، ومعقد الأفئدة والأبصار إذا أوصدت الدروب، أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون.

    وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع الدعاء منازل عبودية مدارج السالكين فيها الإخبات والإنابة والخوف والمراقبة والإجلال والمحبة والشكر والرضى، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين .

    يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

    قد نام وفـدك حـول البيت وانتبهوا و أنت يا حي يا قيـوم لـم تنـم

    إن كـان جـودك لا يرجوه ذو سفه فمـن يجود على العاصين بالكرم

    أخي المبارك:

    ومع أن الأنبياء عليهم السلام صفوة البشر وخيرة الخلق إلا أنهم كانوا يرجون من الله غفران ذنوبهم ومحو خطيئاتهم.

    فها هو آدم وحواء عليهما السلام قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .

    وكذا نوح أول الرسل عليهم السلام قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين .

    أما موسى عليه الصلاة والسلام قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم .

    وبين يدي الركوع والإنابة يستغفر داود عليه السلام ربه وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ويحذو الابن حذو أبيه ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب .

    أما أكرم الخلق وأحبهم إلى الله، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، ومن دعائه: ((اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير)).

    أيها المؤمنون:

    وتدلهم الخطوب وتبلغ القلوب الحناجر ويحيط بالأنبياء، عليهم السلام وعيد الكفار وتهديدهم ومكرهم وكيدهم عندها تفتح أبواب السماء ليعرج من خلالها دعاء واستغاثة ممن كذبوا وأوذوا بهلاك الظالمين ونجاة المؤمنين.

    فأما نوح وصالح عليهما السلام فقد دعوا ربهما بدعاء واحد على تباعد ما بينهما من الزمن قال رب انصرني بما كذبون ، فأخذت هؤلاء الصيحة وحل بأولئك الطوفان والغرق.

    وللجريمة الخلقية عقوبة ونكال أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فما كان من لوط إلا أن استغاث بخالقه ولجأ إلى مولاه قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين وفي آية قال رب انصرني على القوم المفسدين ويخشى الأنبياء عليهم السلام أن يفتنوا في دينهم على عظم إيمانهم وسمو يقينهم وهذا درس لنا إذ البعض يمني نفسه لو ابتلي أو فتن في دينه أن يثبت ثبات الجبال وما علم أن النبي قال: ((لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه فاصبروا )).

    فها هو أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يدعوهو ومن آمن معه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم وما طلب النجاة من الله إلا خروجا من البلاء وبعداً عن العقوبة قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين .

    وكان يستعيذ بالله من الفتن، فلقد علّمنا أن ندعوا فيما ندعوا به في صلاة الجنازة ((اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده)).

    إذ المال فتنة والأزواج والبنون فتنة كذا النساء والدجال والمناصب وغيرها كثير، فتن كقطع الليل المظلم يوصينا في مثلها بالدعاء ((اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن)).

    أخي يا من إلى الله بالدعاء أنبت:

    ما أجمل أدب الأنبياء في الدعاء وما أزكاه وما أكرمه إن تأملك لأدعية بعضهم يشعرك بالأخوة الإيمانية والخلوص من الأنانية، فإذا ما دعوا نال والديهم وإخوانهم من دعائهم أوفر الحظ والنصيب.

    فنوح عليه السلام يقول: رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً .

    وإبراهيم الخليل عليه السلام يدعو رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبّل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب .

    وهل أحدٌ أكرم أخاه بمثل ما أكرم موسى أخاه عليهما الصلاة والسلام واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي .

    ثم ماذا؟ لقد عبد قومه العجل، فدعا ربه قال: رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين .

    أما نبينا العزيز عليه ما يشق علينا الرؤوف الرحيم فقد دعا لأهل بيته وأصحابه بل وأمته جمعاء فمن ذلك سؤاله الله ألا يعذبهم بسنة ٍ بعامة وألايهلكهم بالغرق وقبل ذلك الشفاعة ((فقال له سبحانه: لك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قلت: رب زدني فحثا لي بيديه مرتين)) وفي رواية: ((ومع كل واحد سبعون ألفاً)).

    اللهم فاجعلنا منهم يا حي يا قيوم فإنه لا يتعاظمك شيء وقد دعا لأمته أن يبارك لها في بكورها.. الخ.

    ولذا فإن البشرى تزف إليك أخي المؤمن حين تسمع قوله عليه الصلاة والسلام: ((دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وملك عند رأسه يقول: آمين ولك بمثل ذلك)).

    وللذرية الصالحة من الدعاء نصيب فكم من نبي سأل الله ذرية مباركة، هنا لك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء .

    وهاك دعاء آخر يتعاقب في الذرية جيلاً بعد جيل ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا منا سكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .

    وهنيئا للأنصار رضي الله عنهم فلقد دعا النبي لهم بدعاء كريم فقال: ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)).

    ومن هنا يخاطب كل أب منا ووالدة ألا يدعوا على أبنائهم إلا بخير مهما وقع منهم من خطأ أو عصيان أو عقوق لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم)) وفي الحديث الآخر: ((ثلاثة تستجاب دعوتهم الوالد والمسافر والمظلوم)).

    عباد الله:

    ويتواضع الأنبياء عليهم السلام في دعائهم ولا يمنون على الله جهادهم ودعوتهم وابتلاءهم وهم من هم في علو الإيمان وذروة اليقين.

    وما دعاء إبراهيم عليه السلام إلا من ذلك رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين إلى أن قال ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

    إنه إبراهيم الأمة القانت الحليم الأواه المنيب، يسأل الله أن يلحقه بالصالحين، تأمل معنى ألحقني، فاللحاق هو إدراك القوم بعد مضيهم، وهذا يذكرنا بقول الإمام العلامة الشافعي رحمه الله، إذ يقول تواضعاً :

    أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهـم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سوياً في البضاعة

    وللكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم دعاء كدعاء جده رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين وكذا نبينا عليه السلام يقول: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)).

    أخي الحبيب:

    وويل للظلمة والمجرمين من دعاء الأولياء والصالحين، فها هم الأنبياء عليهم السلام يتوجهون إلى الجبار المنتقم بهلاكهم وإنزال العذاب بهم.

    وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفاراً .

    أما موسى عليه السلام فيستفتح بقوله: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم .







    الخطبة الثانية



    الحمد لله جعل الدعاء هو العبادة وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون .

    والصلاة على الرسول المصطفى القائل: ((أعجزا الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام)).

    صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله

    وإلى كل مريض نسأل الله له الشفاء، يذكّر بقضية أيوب عليه السلام ودعائه وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين .

    ألا أيها المقصود في كل حاجة شكوت إليك الضـر فارحم شكايتي

    ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي فهب لي ذنوبي كلها واقضي حاجتي

    أيها المؤمنون:

    وأظل شعبان بإشراقته القائل فيه صلى الله عليه وسلم: ((ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )).

    وقالت عائشة رضي الله عنها: ((ما رأيته في شهر أكثر صياما في شعبان)) وفي رواية: ((كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله)) وكان من أحب الشهور إليه.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  4. #4
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    سالم بن عبد الكريم الغميز
    حائل



    ملخص الخطبة

    1- الدعاء من أعظم أنواع العبادة. 2- أمر الله عباده بالدعاء ووعدهم بالإجابة. 3- موانع إجابة الدعاء. 4- موجبات قبول الدعاء.


    الخطبة الأولى



    أما بعد:

    أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق تقواه، واعلموا أن الدعاء أعظم أنواع العبادات، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60].

    وقد أمر الله عز وجل بدعائه في آيات كثيرة ووعد بالإجابة وأثنى على أنبيائه ورسله فقال: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ [الأنبياء:90].

    وأمر سبحانه بدعائه والتضرع إليه لا سيما عند الشدائد والكربات، وأخبر أنه لا يجيب المضطر إلا هو، فقال: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]، وذم الذين يعرضون عن دعائه فقال: فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ [الأنعام:43]، وهذا من رحمته وكرمه سبحانه فهو مع غناه عن خلقه يأمرهم بدعائه لأنهم هم المحتاجون، بل إنه ليثيبهم على دعائهم إياه، فلله الحمد والمنّة والشكر على كرمه وعظيم فضله علينا.

    وفي الحديث القدسي: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم)).

    فادعوا الله عباد الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لن يمل حتى تملوا، وأكثروا من الدعاء فإن الدعاء كله خير، ولولم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة يثاب عليها فاعلها لكفى فكيف وفيه ما فيه من دفع السوء.

    روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال : ((ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعاه ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل يقول: دعوت ربي فما استجاب لي))[1].

    وروى الإمام البيهقي رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام)).

    فادعوا الله أيها الناس واعلموا أن لإجابة الدعاء شروطاً لابد من توافرها، فقد وعد الله سبحانه أن يستجيب لمن دعاه والله لا يخلف وعده، ولكن تكون موانع القبول من قبل العبد نفسه.

    فمن موانع إجابة الدعاء:

    أن يكون العبد مضيعاً لفرائض الله مرتكباً لمحارمه ومعاصيه، فهذا قد ابتعد عن الله وقطع الصلة بينه وبين ربه، فهو حري إذا وقع في شدة ودعا أن لا يستجاب له، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).

    فمن عامل الله عز وجل بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته كما قال تعالى عن نبيه يونس عليه السلام: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143، 144]، أي لولا ما تقدم له من العمل الصالح في الرخاء.

    وقد ذكر جل شأنه فرعون حيث كان طاغياً ناسياً لذكر الله عز وجل وحتى إذا أدركه الغرق قال: ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ [يونس:90]، فقال تعالى: ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [يونس:91]، فمن تعرف إلى الله في الرخاء أعانه الله وتعرف عليه في الشدة.

    ومن أعظم موانع الإجابة:

    أكل الحرام وشرب الحرام ولبس الحرام فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟)) رواه الإمام مسلم رحمه الله. وعلى النقيض من ذلك ما نقل في الأثر: ((أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)).

    فليعقل هذا أولئك الذين يأكلون الحرام ويتعاملون بالربا وغش المسلمين، ليعقل هذا أولئك القوم الذين تقوم تجارتهم على غش المسلمين ونشر الفساد وبيعهم البضائع التي تضرهم في دينهم ودنياهم، كبيع الأفلام والوسائل المفسدة وبيع الدخان والمجلات المضلة وكل ما من شأنه ضرر المسلمين في دينهم ودنياهم.

    ومن موانع إجابة الدعاء:

    عدم الإخلاص فيه لله عز وجل لأن الله عز وجل يقول: فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ [غافر:14]، فليعقل هذا أولئك الذين يدعون مع الله الأضرحة التي لا تضر ولا تنفع نفسها، فضلاً عن غيرها.

    ومن موانع قبول الدعاء أن يدعو الإنسان وقلبه غافل، فقد روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قبل غافل لاه)).

    ومن موانع قبول الدعاء ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث عليكم عذاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).

    فاتقوا الله أيها المسلمون، واحرصوا على اجتناب موانع الدعاء لتفوزوا بإجابة الدعاء في الدنيا والرخاء والأجر في الآخرة ودفع كل سوء.

    نفعني الله وإياكم بهدي سيد المرسلين..

    أقول ما تسمعون...






    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] صحيح الجامع (5714).




    الخطبة الثانية



    الحمد لله على فضله وإحسانه، يجيب الداعين ويحب المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الحق اليقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الداعين وأخوف الخلق وأخشاهم لرب العالمين، صلى الله عليه وسلم.

    أيها المسلمون، اتقوا الله وأطيعوه وراقبوه ولا تعصوه.

    أيها الناس، اعلموا أن لقبول الدعاء أسباباً إذا وفق لها العبد حصلت له الإجابة. قال ابن القيم رحم الله مبيناً ذلك: "وإذا اجتمع مع الدعاء وحضور القلب وجمعتيه بكليته على المطلوب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة وهي الثلث الأخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تنقضي الصلاة وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الرب وذلالة له ورقّة وتضرعاً واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يرد ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة الاسم الأعظم".

    عباد الله، الدعاء فيه تفريج للكربات وإغاثة اللهفان والنصر على الأعداء فأكثروا من الدعاء لأنفسكم وإخوانكم المسلمين وادعوا على الكفرة وأعداء الدين، فإن الله قريب مجيب واعلموا أن دعوة المظلوم مستجابة فاحذروا الظلم قال صلى الله عليه وسلم: ((واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) فلا تظالموا.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  5. #5
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    مازن التويجري
    الرياض




    ملخص الخطبة

    1- الدعاء سلاح المؤمن. 2- الدعاء سلاح الأنبياء ، وبه هلك أعداؤهم. 3- أوقات إجابة الدعاء. 4- أحوال أحرى بإجابة الدعاء. 5- آداب الدعاء. 6- منزلة الدعاء عند الله.


    الخطبة الأولى


    يتقلب الناس في دنياهم بين أيام الفرح والسرور, وأيام الشدة والبلاء, وتمر بهم سنين ينعمون فيها بطيب العيش, ورغد المعيشة, وتعصف بهم أخرى عجاف, يتجرعون فيها الغصص أو يكتوون بنار البُعد والحرمان.

    وفي كلا الحالين لا يزال المؤمن بخير ما تعلق قلبه بربه ومولاه, وثمة عبادة هي صلة العبد بربه, وهي أنس قلبه, وراحة نفسه.

    في زمان الحضارة والتقدم, في كل يوم يسمع العالم باختراع جديد, أو اكتشاف فريد في عالم الأسلحة, على تراب الأرض, أو في فضاء السماء الرحب, أو وسط أمواج البحر, وإن السلاح هو عتاد الأمم الذي تقاتل به أعداءها, فمقياس القوة والضعف في عُرف العالم اليوم بما تملك تلك الأمة أو الدولة من أسلحة أو عتاد.

    ولكن ثمة سلاح لا تصنعه مصانع الغرب أو الشرق, إنه أقوى من كل سلاح مهما بلغت قوته ودقته, والعجيب في هذا السلاح أنه عزيز لا يملكه إلا صنف واحد من الناس, لا يملكه إلا أنتم, نعم, أنتم أيها المؤمنون الموحدون, إنه سلاح رباني, سلاح الأنبياء والأتقياء على مرّ العصور.

    سلاح نجى الله به نوحًا عليه السلام فأغرق قومه بالطوفان, ونجى الله به موسى عليه السلام من الطاغية فرعون, نجى الله به صالحًا, وأهلك ثمود, وأذل عادًا وأظهر هودَ عليه السلام, وأعز محمدًا في مواطن كثيرة.

    سلاح حارب به رسول الله وأصحابه أعتى قوتين في ذلك الوقت: قوة الفرس, وقوة الروم, فانقلبوا صاغرين مبهورين، كيف استطاع أولئك العرب العزَّل أن يتفوقوا عليهم وهم من هم, في القوة والمنعة, ولا يزال ذلكم السلاح هو سيف الصالحين المخبتين مع تعاقب الأزمان وتغير الأحوال.

    تلكم العبادة وذلك السلاح هو الدعاء.

    أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] [1].

    وليعلم أن للدعاء أدابًا عظيمة حريٌ بمن جمعها أن يستجاب له, فمنها:

    أولاً: أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة, ورمضان من الشهور, ويوم الجمعة من الأسبوع, ووقت السحر من ساعات الليل, وبين الآذان والإقامة وغيرها.

    روى الترمذي وأبو داود وأحمد في مسنده ـ وحسنه ابن حجر ـ أن أنسًا رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((الدعاء لا يرد بين الآذان والإقامة)) [2].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه قال: وهي ساعة خفيفة)) رواه البخاري ومسلم[3].

    ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له, ومن يسألني فأعطيه, ومن يستغفرني فأغفر له)) [4].

    ثانيًا: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال الزحف, وعند نزول الغيث, وعند إفطار الصائم, وحالة السجود, وفي حال السفر.

    أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) [5].

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما ـ في حديث طويل وفيه ـ قال عليه الصلاة والسلام: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل, وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم)) [6] رواه مسلم, أي حقيق وجدير أن يستجاب لكم.

    وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة الوالد, ودعوة المسافر, ودعوة المظلوم)) [7].

    وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر, والإمام العادل, ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) [8].

    ثالثًا: أن يدعو مستقبلاً القبلة رافعًا يديه مع خفض الصوت بين المخافتة والجهر, وأن لا يتكلف السجع في الدعاء, فإنَّ حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع, والتكلف لا يناسب, قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة: 186].

    ذكر ابن حجر عن بعض الصحابة في معنى قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً [الإسراء: 110] أي لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتُعير بها.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما كما عند البخاري: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه, فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب[9]".

    رابعًا: الإخلاص في الدعاء والتضرع والخشوع والرغبة والرهبة, وأن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه.

    قال تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرونتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقونفلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة: 14 ـ 16].

    أخرج الترمذي والحاكم وقال: حديث مستقيم الإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة, واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه)) [10].

    وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة, ولا يقولن اللهم: إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له)) [11].

    قال ابن بطال: ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة, ولا يقنط من الرحمة, فإنه يدعو كريمًا, وقديمًا قيل: ادعوا بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والإنطلاق.

    خامسًا: أن يلح في الدعاء ويكون ثلاثًا ولا يستبطئ الإجابة, قال تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض [النمل: 62].

    أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل, يقول: دعوت فلم يستجب لي)) [12].

    قال الداودي ـ رحمه الله ـ : على الداعي أن يجتهد ويلح ولا يقل: إن شئت، كالمستثني, ولكن دعاء البائس الفقير.

    سادسًا: أن يفتتح الدعاء ويختمه بذكر الله تعالى والصلاة على النبي ثم يبدأ بالسؤال.

    قال سبحانه: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180].

    أخرج النسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله جالسًا يعني ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت, المنان, بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام, يا حي يا قيوم إني أسألك, فقال النبي لأصحابه: ((تدرون بم دعا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: ((والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى)) [13].

    وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل ((اللهم لك الحمد, أنت نور السموات والأرض, ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض, ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن, وأنت الحق ووعدك الحق, وقولك الحق, ولقاؤك حق, والجنة حق، والنار حق, والساعة حق, اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت, وإليك أنبت, وبك خاصمت, وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت, وأسررت وأعلنت, أنت إلهي لا إله إلا أنت)) [14].

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك )[15].

    قال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ: من أراد أن يسأل الله حاجة, فليبدأ بالصلاة على النبي ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.

    سابعًا: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة, وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة تحري أكل الحلال, كما قال الغزالي رحمه الله.

    أخرج الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء)) [16].

    قال الأوزاعي ـ رحمه الله ـ : خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد, فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: (يا معشر من حضر: ألستم مقرين بالإساءة؟, قالوا: بلى, فقال: اللهم إنا سمعناك تقول: ما على المحسنين من سبيل [التوبة: 91]. وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا, اللهم اغفر لنا, وارحمنا واسقنا), فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقوا.

    وقال سفيان الثوري: "بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال, وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون فأوحى الله إلى أنبيائهم عليهم السلام: لو مشيتم إليَّ بأقدامكم حتى تَحْفَى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم من الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا, ولا أرحم لك باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها, ففعلوا فمطروا من يومهم". والتوجيه النبوي يقول: ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) [17].





    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الحديث رواه الترمذي ح (2969)، وأبو داود ح (1479)، وابن ماجه ح (3828).

    [2] رواه الترمذي ح (212)، وأبو داود ح (521)، وأحمد ح (22174).

    [3] رواه البخاري ح (935)، ومسلم ح (852).

    [4] رواه البخاري ح (6321)، ومسلم ح (758).

    [5] رواه مسلم ح (482).

    [6] رواه مسلم ح (479).

    [7] رواه أبو داود ح (1536) وابن ماجه ح (3862) والترمذي ح (1905) وأحمد ح (8375).

    [8] رواه الترمذي ح (3598)، وأحمد ح (9450)، وابن ماجه (1752).

    [9] رواه البخاري ح (1737).

    [10] رواه الترمذي ح (3479) والحاكم ح (1817) وأحمد (6617) قال الهيثمي: وإسناده حسن (10/148).

    [11] رواه البخاري ح (6338).

    [12] رواه البخاري ح (6340)، ومسلم (2735).

    [13] رواه الترمذي ح (3544)، والنسائي ح (1300)، وابن ماجه ح (3857).

    [14] رواه البخاري ح (1120)، ومسلم ح (769).

    [15] رواه الترمذي ح (486).

    [16] رواه الترمذي ح (3382) بإسناد ضعيف والحاكم ح (1997) وصححه، ووفقه الذهبي.

    [17] رواه الطبراني في معجمه الصغير، قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (10/290).




    الخطبة الثانية


    أيها المؤمنون:

    الدعاء من أعظم العبادات, فيه يتجلى الإخلاص والخشوع, ويظهر صدق الإيمان, وتتمحص القلوب, وهو المقياس الحقيقي للتوحيد, ففي كلامٍ لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إذا أردت أن تعرف صدق توحيدك فانظر في دعائك.

    أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن أعجز الناس من عجز عن الدعاء, وأبخل الناس من يبخل بالسلام...)) [1].

    وأنت أيها المبارك مأجور في دعائك, موعود بالإجابة.

    أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه بدعوة أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء)) [2].

    وخرج الترمذي ـ وقال: حسن صحيح غريب ـ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها, أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) فقال رجل من القوم: إذا نكثر قال: ((الله أكثر)) [3]. فبكلٍ أنت غانم رابح, مأجور مشكور.

    والدعاء كريم على الله, عظيمٌ قدره عنده سبحانه, أخرج الترمذي والبخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء)) [4].

    واسمع إلى النداء الرباني, فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي, يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي, يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)) [5].

    الله أكبر, ولا إله إلا الله, إذن فابشروا وأقبلوا، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة, انطرحوا بين يديه, وارفعوا حاجاتكم برداء الذل والمسكنة, ومرغوا الأنوف والجباه, واهتفوا باسمه فثم السعادة والأمان.

    أعوذ بالله من الشيطان الرحيم: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الله النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدينولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين [الأعراف: 54 ـ 56].



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط... ورجاله رجال الصحيح غير مسروق بن المرزبان، وهو ثقة (8/30).

    [2] رواه الترمذي ح (3556)، وأبو داود ح (1488)، وابن ماجه (3865) والحاكم بنحوه (1830) ووافقه الذهبي على تصحيحه.

    [3] رواه الترمذي ح (3573)، وأحمد ح (10749)، والحاكم ح (1816).

    [4] رواه الترمذي ح (3370) ورواه الحاكم ح (1801) ووافقه الذهبي على تصحيحه، والبخاري في الأدب المفرد ح (712) وحسنه الألباني.

    [5] رواه الترمذي ح (3540).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  6. #6
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم
    صنعاء



    ملخص الخطبة

    1- عظم شأن الدعاء. 2- الدعاء عبادة. 3- آداب الدعاء. 4- موانع إجابة الدعاء.


    الخطبة الأولى



    أما بعد:

    فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه، ثم أما بعد:

    فيقول المولى سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60]. وقال جل في علاه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فُضُلاً يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرَّجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم - وهو أعلم بهم - من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، أي رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقول: رب فيهم فلان عبدٌ خطاء إنما مر فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)).

    إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد :

    حديثنا اليوم عن الدعاء، والدعاء أمره عظيم، وشأنه كبير، فهو حبل بين العبد وربه، وهو صلة بين العبد وربه، سماه الله في كتابه عبادة، فقال سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى - أي عن دعائي - سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60]. هذه الآية فيها وعد ووعيد:

    وعد من الله بإجابة الدعاء، فالله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يدعوه ويلجؤوا إليه، ويظهروا فقرهم واحتياجهم له، بل إن الله سبحانه يبتلي العباد بالبلايا والرزايا، حتى يتضرعوا إليه ويدعوه سبحانه أن يفرج عنهم، يقول سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42].

    وعيد بالنار لمن استكبر عن عبادة الجبار ودعاء الواحد القهار، وفي الحديث يقول : ((الدعاء هو العبادة))، فالله سمّى الدعاء في كتابه عبادة، وفي الحديث يقول : ((من لا يسأل الله يغضب عليه)).

    الله يغضب إن تركت سؤاله وترى ابن آدم حين يُسأل يغضب

    ولذلك فإن حاجة الدعاء لا تأتي عند كثير من الناس إلا في الأزمات فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

    يا رب عفوك لا تأخـذ بزلتنـا وارحـم أيـا ربّ ذنباً جنيناه
    كم نطلب الله في خير يحل بنـا فإن تولـت بـلايانـا نسـيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطئ عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعـة فمـا سـقطنا لأن الحـافظ الله

    الخلائق كلها تدعو الله والكائنات كلها تسبح الله وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

    خرج نبي الله سليمان عليه السلام يستسقي بالناس، فمر في الطريق بنملة وإذا هي قد انقلبت على ظهرها ورفعت يديها إلى الحي القيوم تقول: يا حي يا قيوم أغثنا برحمتك.

    لا إله إلا الله من الذي أخبر النملة أن الله خلقها؟! من الذي أخبر النملة أن الذي يحيي ويميت ويضر وينفع هو الله؟!! إنه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. بكى نبي الله سليمان، وقال لقومه: عودوا فقد سقيتم بدعاء غيركم.

    وورد عن روح الله عيسى عليه السلام أنَّه مر ببقرة في الولادة، وقد اعترض ابنها في بطنها فأخذت البقرة تنظر إلى السماء تطلب العون من الله، فأنطقها الله الذي أنطق كل شيء، وقالت: يا حي يا قيوم يسر عليّ، ثم قالت: يا عيسى يا روح الله، أسألك أن تدعو الله أن يسهل علي. فبكى عيسى ودعا الله أن يسهل عليها.

    قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداك

    قل لهذا الطبيب الذي يداوي الناس بإذن الله وعنده العقاقير والأدوية والبلاسم قل له: من الذي أرداك؟ من الذي أماتك؟ من الذي قتلك؟ إنه الله.

    أبو بكر الصديق قالوا له في مرض موته: ماذا تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قالوا له: ماذا تريد؟ قال: أريد المغفرة، قالوا: ألا ندعوا لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: فماذا قال؟ قال: يقول: إني فعالٌ لما أريد.

    كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي

    قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب: من عافاك؟

    إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام مرض، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]. فانظر يا عبد الله إلى الأدب الرفيع كيف نسب المرض إلى نفسه، ونسب الشفاء إلى الله مع أن الله هو الشافي والمعافي وهو الممرض وهو النافع والضار وهو المحيي والمميت.

    معاشر الأحبة:

    الدعاء خير كله وليس فيه خسارة أبداً، يقول : ((ما من عبد يدعو الله تعالى بدعوة إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجلها له في الدنيا، وإما أن يدخرها له يوم القيامة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)).

    ويقول أمير المؤمنين أبو السبطين علي بن أبي طالب : (عجباً لكم معكم الدواء ومعكم الداء، داؤكم الذنوب ودواؤكم الدعاء والاستغفار).

    ويقول جعفر الصادق : عجبت لأربعة كيف يغفلون عن أربع: عجبت لمن أصابه ضر كيف يغفل عن قول الله: أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، والله سبحانه وتعالى يقول: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ [الأنبياء:84]، وعجبت لمن أصابه غم كيف يغفل عن قول الله: لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ [الأنبياء:87]، والله سبحانه وتعالى يقول: فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ [المؤمنين:88]، وعجبت لمن يخاف كيف يغفل عن: حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ [آل عمران:173]، والله تعالى يقول: فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء [آل عمران:174]، وعجبت لمن يمكر به الناس كيف يغفل عن وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ [غافر:44]، والله تعالى يقول: فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِـآلِ فِرْعَوْنَ سُوء ٱلْعَذَابِ [غافر:45].

    إخوة الإسلام:

    للدعاء آداب، ومن أعظم آداب الدعاء توحيد الله في الدعاء، فلا يجوز أن ندعوا غير الله، فالدعاء عبادة، والعبادة لا يجوز أن تصرف إلا لمستحقها سبحانه وتعالى وحده.

    ومن آداب الدعاء الجزم في الدعاء والثقة بالله في حصول الإجابة، فقد صح عن النبي من حديث أبي هريرة أنه قال: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه)).

    هذا أبو الدرداء كان جالساً فجاءه جماعة يقولون له: إن بيتك قد احترق، فقال لهم أبو الدرداء: لا، ولا ينبغي له أن يحترق، كلمات سمعتها من رسول الله يقول: ((من قالهن حين يصبح لم يمسسه السوء حتى يمسي، ومن قالهن حين يمسي لم يمسسه السوء حتى يصبح: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم))، قاموا معه حتى يروا الدار، فإذا هي قائمة لم يمسسها السوء وما حولها قد احترق.

    ومن آداب الدعاء الخشوع والخضوع، وإظهار الحاجة والفقر والاضطرار إلى الله، وخفض الصوت ولينه يقول سبحانه وتعالى: ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، ويثني الله سبحانه وتعالى على نبيه زكريا عليه السلام بقوله: إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً [مريم:3].

    وسأل الصحابة الرسول وقالوا: يا رسول الله، أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. ولذلك يقول كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري: ((اربَعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً)).

    ومن آداب الدعاء عدم الدعاء على الأهل والمال والولد، يقول : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)).

    ومن آداب الدعاء تحري الأوقات الفاضلة كيوم الجمعة في الأسبوع، ويوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، والسحر من الليل، والسجود في الصلاة، وما بين الآذان والإقامة، وعند نزول الغيث، وعند السفر.

    ومن الآداب الثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله والوضوء والسواك واستقبال القبلة ورفع اليدين في الدعاء، يقوله : ((إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما خائبتين)).

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.







    الخطبة الثانية



    أما بعد:

    فهناك موانع تمنع من إجابة الدعاء، ومن هذه الموانع: أكل الحرام، يقول سعد بن أبي وقاص : يا رسول الله، ادع الله لي أن أكون مستجاب الدعوة، فقال له الرسول : ((يا سعد، أطب مطعمك تستجب دعوتك))، وذكر الرسول في حديثه الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.

    ومن موانع إجابة الدعاء استعجال الإجابة، يقول : ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي))، وهذا موسى عليه السلام وقف داعياً يقول: رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ [يونس:88]، وأخوه هارون عليه السلام يؤمن على الدعاء، فاستجاب الله دعاءهما وقال سبحانه: قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا [يونس:89]. قال العلماء: كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة.

    فعلى المؤمن أن يدعو الله، وأن يلح على الله في الدعاء، ولا يعجل في الإجابة، وينتظر الفرج من الله، وكما قال الشاعر اليمني الموحد في قصيدته التي سماها الجوهرة:

    لطائف الله وإن طال المدى كلمح الطرف إذا الطرف سجى

    كم فَرَج بعد إياس أتى وكم إياس قد أتى بعد النوى

    ومن موانع الإجابة الدعاء بالإثم وقطع الرحم، يقول : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)).

    ومن موانع إجابة الدعاء عدم الصلاة على النبي محمد ، يقول : ((كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي)) وفي رواية: ((حتى يصلى على النبي وآل محمد))، وكان عمر بن الخطاب يقول: (الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد إلا بالصلاة على النبي محمد ).

    وسئل إبراهيم بن أدهم عن قول الحق سبحانه: ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ. [غافر:60]، قالوا: فإنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟!! فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:

    1- عرفتم الله ولم تؤدوا حقه.

    2- وتأكلون رزق الله ولا تشكرونه.

    3- وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به.

    4- وادعيتم عداوة الشيطان وواليتموه.

    5- وادعيتم حب رسول الله وتركتم أثره وسنته.

    6- وادعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها.

    7- وادعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب.

    8- واشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم.

    9- وادعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له.

    10-وتدفنون موتاكم ولا تعتبرون. فكيف يستجاب لكم؟!

    أسأل الله سبحانه أن لا يعاملنا بما نحن أهله، وأن يعاملنا بما هو أهله، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. وأسأله جل في علاه أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.

    سـبحان من يعفو ونهفو دائمـاً ولا يزال مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطئ ولا يمنعه جلاله من العطـا لـذي الخطــا

    يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  7. #7
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    محمد عبد الله الهبدان
    الرياض




    ملخص الخطبة

    1- قصة المتضرع إلى الله 2- سرعة إجابة الله لمن دعاه 3- أسباب رد الدعاء 4- الابتلاء بالمصائب والمحن 5- الابتلاء بالخيرات والعطايا


    الخطبة الأولى



    عباد الله: يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يُكنى أبا مِعْلَق، وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعا.

    فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك .قال ما تريد إلى دمي شأنك بالمال.

    قال: أما المال فلي ولست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت فذرني أُصلي أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، قال: فتوضأ ثم صلى أربع ركعات.

    فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود ياذا العرش المجيد أسألك بعزك الذي لايرام، وملكك الذي لايضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني ثلاث مرات.

    فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة واضعها بين أُذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله.

    ثم أقبل إليه فقال: قم. قال: من أنت بأبي وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم؟

    قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول، فسمعتُ لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعتُ لأهل السماء ضجةً. ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي دعاء مكروب فسألت الله تعالى أن يُوليني قتله(1).

    هكذا عندما تنزل المحن و تشتد الخطوب وتتوالى الكروب وتعظم الرزايا وتتابع الشدائد، لن يكون أمام المسلم إلا أن يلجأ إلى الله تعالى ويلوذ بجانبه، ويضرع إليه راجيا تحقيق وعده، الذي وعد به عباده المؤمنين إذ يقول الله تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم [فاطر:60]. ويقول: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة:186]. فإني قريب ..أجيب دعوة الداع إذا دعان ..أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع تكاليف الحياة في ظل هذا الود، وظل هذا القرب، وظل هذا الإيناس؟ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان أضاف العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه .. ولم يقل: فقل لهم: إني قريب ..إنما تولى بنفسه جل جلاله الجواب على عباده بمجرد السؤال فقط!، قريب .. ولم يقل أسمع الدعاء ..إنما عجل بإجابة الدعاء: أجيب دعوة الداع إذا دعان .. إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المـؤُنس، والرضى الـُمطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها في جناب رضيّ وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين ،قال عليه الصلاة والسلام: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له))(1) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))(2).

    أيها الأخوة في الله: في ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الحية .. يلفت الله تعالى نظر عباده المؤمنين إلى قضية كبرى وهي أن قضية إجابة الدعاء معلقة بالإستجابة التامة له، والإيمان به فقال: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون الاستجابة الكاملة التي تعني السير على المنهج الأوحد الذي اختاره الله لعباده وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام:153]. الاستجابة لله تعالى التي تعني الانقياد التام لأمره ونهيه والتسليم لقضائه والخضوع لجنابه، وبدون ذلك ربما تتعذر الإجابة.

    والمتأمل في أوضاع الأمة يلحظ أنها في كثير من مواطنها وأوضاعها اختارت غير ما اختار الله، ودانت بمناهج على غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلطت عليها السبل، واصطبغت بغير صبغة الله، تغيرت أحوالهم، وفرطوا في دينهم، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، أكلوا الربا، وفشا فيهم الفحش والزنا ،تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،و اتبعوا خطوات الشيطان، وتمادوا في معصية الرحمن، وهذه كلها أسباب في عدم إجابة الدعاء، لأن الذنوب والمعاصي قد تكون حائلة من إجابة الدعاء(*)خاصة أكل الحرام، ذكر عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه: "أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكفاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، لن تزدادوا مني إلا بعدا"(3).

    وقال عليه الصلاة والسلام: ((يا أيها الناس إن الله طيب لايقبل إلا طيبا))، الحديث وفيه: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك))(1).

    ولنا أن نتعجب كما تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الرجل الذي اجتهد في الدعاء، وأخذ بأسباب الإجابة من إطالة السفر، وتواضع المظهر والتضرع في الدعاء! فتشنا تلمسنا نظرنا فوجدنا أن الرجل غارق في لجة الحرام! إذاً كيف يستجاب لمثل هذا! وهو قد جعل طعامه وشرابه وملبسه من حرام!!

    عباد الله: إن إجابة الدعاء معلقة بصدق اللجأ والتضرع إليه ،وعدم استعجال الإجابة، وصدق التوبة التي تجعلنا نعود إلى المنهج الذي ارتضاه الله لنا وسار عليه نبينا وسلكه أسلفنا، و أن نقطع الصلة بماضي الآثام، ونستصلح أنفسنا في مستقبل الأيام مع الحذر من الكسب الحرام أو الدعاء بالإثم وقطيعة الأرحام.

    عباد الله: إن من المصيبة كل المصيبة والرزية كل الرزية أن يحال بين المرء وبين الدعاء عندما تنزل به الملمات وتشتد به الكروبات، فلا يضرع إلى الله ولا يلجأ إليه بأن يكشف الله ضره ويفرج همه، ولقد بين الله تعالى في القرآن نموذجاً من الواقع التاريخي، نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله، وكيف تكون عاقبة تعرضهم له، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه، فإذا نسوا ما ذكروا به، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له ودعائه، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لايرجى معه صلاح، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لاتصلح معه للبقاء، فحقت عليهم كلمة الله، ونزل بساحتهم الدمار الذي لاتنجو منه ديار .. فقال تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبسلون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [الأنعام:42-45].

    في هذه الأيات عرض لنموذج متكرر في أمم شتى .. أمم جاءتهم رسلهم، فكذبوا، فأخذهم الله بالبأساء والضراء، في أموالهم وفي أنفسهم ،في أحوالهم وأوضاعهم .. البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون "عذاب الله" الذي هو التدمير والاستئصال.

    لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم، وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله، ويتذللون له، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، بقلوب موقنة، فيرفع الله عنهم البلاء، ويفتح لهم أبواب السماء .. ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا، لم يلجأوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم وعصيانهم، ولم تَرُدَ إليهم الشدة وعيهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم، وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون.

    والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله، قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة، التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة، والشدة ابتلاء من الله للعبد، فمن كان حياً أيقظته، وفتحت مغاليق قلبه، وردته إلى ربه، وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه .. ومن كان ميتا حُسبت عليه، ولم تفده شيئا، وإنما أسقطت عذره وحجته، وكانت عليه شقوة، وكانت موطئة للعذاب!

    وإذا كانت الشدة لم تفد في تلك الأمم فالله تعالى يملى لهم ويستدرجهم بالرخاء: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون.

    إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة ،وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)) ثم تلا: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون تأمل يارعاك الله قوله: فتحنا عليهم أبواب كل شيء تلك الأرزاق والخيرات والمتاع متدفقة عليهم كالسيول، بلا حواجز ولا قيود! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولاكد ولا حتى محاولة!

    حتى إذا فرحوا بما أوتوا وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة، واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها بلا شكر ولا ذكر، وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة، وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع، بعد فساد القلوب والأخلاق، وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها .. عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فكان أخذهم على غرة وهم في سهوة وسكرة فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة، عاجزون عن التفكير في أي اتجاه فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

    بارك الله. . .





    --------------------------------------------------------------------------------


    (1) سلاح اليقظان لطرد الشيطان لعبدالعزيز السلمان ص138

    (1) رواه مسلم ورقمه (1261) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

    (2) رواه الترمذي ورقمه (3295) وابن ماجه ورقمه (3817)من طريق أبي المليح المدني .. والحديث رجاله ثقات وأبو المليح وثقه ابن معين وابن حبان والذهبي .

    (*) أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه الجواب الكافي ص24 .

    (3) نقلا من الجواب الكافي ص25

    (1) رواه مسلم ورقمه (1015) .




    الخطبة الثانية


    عباد الله: من أحب أن يوفق للجوء إلى الله تعالى عند الشدة والبلاء فليلزم الدعاء والتضرع إليه حال الرخاء والشكر على النعماء، وليسأل ربه اللطف في القضاء والعافية من البلاء قال عليه الصلاة والسلام: ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء))(1).

    أيها المسلمون: لقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر رفع رأسه إلى السماء فدعا يتلمس الفرج والنجدة من رب السماء، وكم له صلى الله عليه وسلم من الدعوات عند الكروب ونوازل الخطوب فعندما آذته ثقيف جلس صلى الله عليه وسلم إلى ظل شجرة ورفع رأسه إلى السماء ضارعا يقول: ((اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي)) الحديث.

    وعندما نازلته قريش في بدر رفع رأسه ويديه إلى السماء وأخذ يدعو الله ويضرع إليه حتى أتم الله له النصر وبعث إليه ملائكة تقاتل مع جيشه.

    فاتقوا الله عباد الله وتضرعوا إليه، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ولا تقعدنكم عن الدعاء الغفلة أو الركون إلى ضلال الضالين وشبه المنحرفين، فإن للدعاء أثره الواضح الفعال في تحقيق الرغائب وبلوغ الآمال، وحسبك أنه هو العبادة التي تفتح بها أبواب الرحمة إذا توجه به العبد إلى ربه راغبا راهبا نال رضاه وبلغ به فوق ما تمناه ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لايحب المعتدين ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف:55-56].







    --------------------------------------------------------------------------------

    (1) رواه الترمذي من حديث سلمان ورقمه (3304) وقال عنه الترمذي هذا حديث غريب .وفيه عبيد بن واقد وسعيد بن عطيه وكلاهما ضعيف .محمد.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  8. #8
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    هيثم جواد الحداد
    لندن


    ملخص الخطبة

    1- الدعاء سلاح المظلومين والمستضعفين. 2- دعاء الأنبياء على الظلمة. 3- دعاء الصالحين من السلف على الظلمة. 4- قنوت النبي في الصلوات ودعاؤه على الظالمين والكافرين. 5- الدعاء يدفع البلاء ويكف بأس الظلمة والمفسدين. 6- فوائد الدعاء على أعداء الدين.


    الخطبة الأولى


    أما بعد:

    عباد الله، حينما يحاصر المسلم من كل جهة، ويضيق عليه الخناق، فلا يستطيع الانتصار لنفسه، ولا الثأر لإخوانه المظلومين، ولا يقدر على التخلص من الظلم الصارخ الذي أحاط به من كل جانب، تفتح له السماء أبوابها، وتأتيه منافذ الفرج، ويتنزل عليه المدد، إنه مدد السماء، من رب الأرباب، وخالق الأسباب، مهلك الجبابرة، وقاصم القياصرة، الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل، إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.

    مدد السماء ليقول له الرب: ((مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)).

    أمة الإسلام، إن رحمة الله تبارك وتعالى، تتجلى في هذا السلاح الفتاك الذي منحه الله للمظلومين والمقهورين، والذي ينال به الإنسان من الذين ظلموه وقهروا إخوانه، بل إن الملوك والدول الظالمة الطاغية مهما بلغت في الطغيان، والتجبر قد تسقط بالدعاء.

    هذا فرعون الذي بلغ من الطغيان والجبروت ما بلغ، حتى إنه استعبد أهل مصر كلهم، وبلغ به من صلفه وغروره ما قاله الله جل وعلا: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ فَٱجْعَل لّى صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنّى لاظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ [القصص:38-42]، فدعا عليه نبي الله موسى: وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذكر أهل السير أن كسرى لما بعث له رسول الله رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، مزقها، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: ((اللهم مزق ملكه)) وثبت في الحديث الصحيح أنه النبي قال: ((اذهبوا إلى صاحبكم فأخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة)) يعني كسرى[1].

    عباد الله، لقد وردت أحاديث كثيرة تفيد أن دعوة المظلوم من الدعوات المستجابة، منها ما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه، لما بعث رسول الله معاذاً إلى اليمن، وأوصاه، قال له في آخر وصيته: ((واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)).

    وعند الترمذي والإمام أحمد وأبي داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ)).

    بل إن النبي كان يستعيذ من دعوة المظلوم، كما في صحيح مسلم في دعاء السفر.

    وعن خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله : ((اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين))[2].

    مر أسد بن عبد الله القسري، وهو والي خرسان، بدار من دور الخراج، ورجل يعذب في حبسه، وحول أسد هذا مساكين يستجدونه، فأمر لهم بدراهم تقسم فيهم، فقال الرجل الذي يعذب: إن كنت تعطي من ترحم، فارحم من تظلم، إن السموات تنفرج لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلا الله، ولا جنة له إلا الثقة بنزول التغيير، ولا سلاح له إلا الابتهال إلى من لا يعجزه شيء.

    يا أسد: إن البغي يصرع أهله، والبغي مصرعه وخيم، فلا تغتر بإبطاء الغياث من ناصر، متى شاء أن يغيث أغاث، وقد أملى لهم كي يزدادوا إثماً.

    أما والله إن الظلـم شـؤم ومازال المسيء هو الظلوم

    إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصـوم

    في الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ أَرْوَى بنت أويس خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا قَالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَبَيْنَمَا هي تَمْشِي فِي الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ فَوَقَعَتْ فِيهَا فَكَانَتْ قَبْرَهَا.

    أيها المؤمنون، الدعاء على الظالم، أمر مشروع، لا سيما إذا كان الظلم واقعاً على المسلمين، وتزداد هذه المشروعية إذا كان الظالم كافراً، وربما يقال بوجوب الدعاء على الظالم الذي يحارب الإسلام وأهله إذا لم يكن ثمة سبيل لإيقاف عدوانه على الإسلام وكف شره عن المسلمين، إلا سبيل الدعاء، وكف عدوان الظلمة والمتجرئين على الإسلام واجب، كما أن كف شرهم عن المسلمين واجب أيضاً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    قال الله جل وعلا: لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النساء:148].

    عن ابن عباس قال: (لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له).

    لقد قنت رسول الله شهرا يدعو على أحياء من العرب، في صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ.

    وفي غزوة الخندق لما حاصر الأحزاب المسلمين في المدينة، واشتغل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبعض أصحابه في مدافعة المشركين، قال بعد ذلك: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ـ أو أجوافهم (شك الراوي) ـ ناراً)) رواه الجماعة عن علي بن أبي طالب.

    وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْد،ُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ)).

    عباد الله، واعجباً من هؤلاء الظلمة والطغاة، ألم يتفكروا في مصائر من قبلهم، أين الأمم السوالف قبلهم، أين عاد وثمود، أين فرعون والنمرود، أين القياصرة، أين الجبابرة، أين كسرى والروم؟

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ [الفجر:6-14].

    لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.

    فيا أسفاً على الظلمة الفجار يخطئون على أنفسهم بالليل والنهار، والشهوات تفنى وتبقى الأوزار، كم ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل والجار.

    أمة الإسلام، لا يهولنكم قوة عدوكم، ولا كثرة عتادهم، ولا طول طغيانهم، اجأروا إلى ربكم واستنصروه على هؤلاء الأعداء، فلن يغلب عسكر واحد عسكرين من الدعاء، والأعداء، ولن يُنصر في الأرض من حورب من السماء.

    قال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم.

    أتهزأ بالدعــاء وتزدريه ولاتدري بما صنع الدعاء

    سهام الليل لا تخطي، ولكن لها أمد، وللأمـد انقضاء

    وقـد شـاء الإله بما تراه فما للملك عندكــم بقاء

    قال بعض الأمراء: دعوتان أرجو إحداهما بقدر ما أخاف الأخرى، دعوة مظلوم أعنتُه، ودعوة ضعيف ظلمتُه.

    أورد ابن كثير في البداية والنهاية عن وهب بن منبه هذه القصة، قال ركب ابن ملك من الملوك في جند من قومه وهو شاب فصرع عن فرسه فدقت عنقه فمات في أرض قريبة من قرية من القرى، فغضب أبوه وحلف أن يقتل أهل تلك القرية عن آخرهم وأن يطأهم بالأفيال، فما أبقت الأفيال وطئته الخيل، فما أبقت الخيل وطئته الرجال، فتوجه إليهم بعد أن سقى الأفيال والخيل خمراً، وقال: طؤوهم بالأفيال، فما أبقت الأفيال فلتطأه الخيل، فما أخطأته الخيل فلتطأه الرجال.

    فلما سمع بذلك أهل تلك القرية وعرفوا أنه قد قصدهم لذلك، خرجوا بأجمعهم فجأروا إلى الله سبحانه وعجّوا إليه وابتهلوا يدعونه تعالى ليكشف عنهم شر هذا الملك الظالم وما قصده من هلاكهم، فبينما الملك وجيشه سائرون على ذلك، وأهل القرية في الابتهال والدعاء والتضرع إلى الله تعالى إذ نزل فارس من السماء فوقع بينهم، فنفرت الأفيال فطغت على الخيل وطغت الخيل على الرجال فقتل الملك ومن معه وطئاً بالأفيال والخيل، ونجى الله أهل تلك القرية من بأسهم وشرهم[3].

    أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأرْضِ أَءلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]

    وجد خمارويه أحمد بن طولون ـ أحد الأمراء ـ مرة في جيبه رقعة لم يعرف من رفعها، ولا من قالها، فإذا فيها مكتوب: أما بعد، فإنكم ملكتم، فأسرتم، وقدرتم فأشرتم، ووسع عليكم، فضيقتم، وعلمتم عاقبة الدعاء، فاحذروا سهام السحر، فإنها أنفذ من وخز الإبر، لا سيما وقد جرحتم قلوباً قد أوجعتموها، وأكباداً أجعتموها، وأحشاء أنكيتموها، ومقلاً أبكيتموها، ومن المحال أن يهلك المنتظِِرون ويبقى المنتظَرون، فاعملوا إنا عاملون، وجوروا إنا بالله مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227]، فبكى هذا الأمير بكاء شديداً، وجعل يتعهد قراءتها في غالب أوقاته، ويستعين بها على إجراء عبراته.

    لا تظلمن إذا ماكنت مقتــدرا فالظلم آخـره يأيتيك بالنــدم

    واحذر أخيّ من المظلوم دعوته لا تأخذنك سهام الليل في الظلم

    نامـت عيونك، والمظلوم منتبه يدعو عليك وعيــن الله لم تنم

    عباد الله، أيها المسلمون، أيها المستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، يا من طال عليكم ظلم هذه الدول الصليبية النصرانية، وتلك الدول العلمانية المنافقة، اسمعوا إلى هذه القصة التي رواها جملة من أهل التاريخ والسير، عن يحيي بن هبيرة الوزير الصالح، قال لما استطال السلطان مسعود بن محمد السلجوقي وأصحابه وأفسدوا عزم الخليفة على قتاله، قال يحيى: ثم إني فكرت في ذلك، ورأيت أنه ليس بصواب مجاهرته، لقوة شوكته، فدخلت على المقتفي، فقلت أني رأيت أن لا وجه في هذا الأمر إلا الالتجاء إلى الله تعالى وصدق الاعتماد عليه، فبادر إلى تصديقي في ذلك، وقال: ليس إلا هذا، ثم كتبت إليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا رعل وذكوان شهراً، وينبغي أن ندعو نحن شهراً، فأجابني بالأمر بذلك.

    قال الوزير: ثم لازمت الدعاء في كل ليلة، وقت السحر، أجلس فأدعو الله سبحانه فمات مسعود السلجوقي، لتمام الشهر، لم يزد يوماً، ولم ينقص يوماً، وأجاب الله الدعاء، وأزال يد مسعود وأتباعه عن العراق، وأرورثنا أرضهم وديارهم[4].

    عن أبي موسى قال: قال رسول الله : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) قال ثم قرأ: وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، [البخاري ح4409].

    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، يا ناصر المستضعفين انصرنا، يا جابر المنكسرين، اجبر كسرنا، الله أعنا ولا تعن علينا، وانتصر لنا ممن ظلمنا، آمين، آمين يا رب العالمين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.






    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] (أبو نعيم) عن دحية. (صحيح) انظر حديث رقم (862) في صحيح الجامع.

    [2] رواه الطبراني، وهو حديث حسن، صحيح الجامع (116).

    [3] ابن كثير في البداية والنهاية.

    [4] تاريخ الخلفاء (490)، العبر في أخبار من غبر (3/4) الذيل على طبقات الحنابلة (1/258).




    الخطبة الثانية


    الحمد لله وارث الأرض ومن عليها من الخلق، وباعث محمد رسوله بالهدي ودين الحق وصلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    أيها الإخوة الكرام، إن للدعاء على أعداء الدين، من اليهود والنصارى، والمنافقين، والعلمانيين، وأذنابهم، فوائد جمة، منها:

    - أن الدعاء في حد ذاته عبادة عظيمة، بل هو لب العبادة وروحها، ولذا ثبت في الحديث الصحيح عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] قَالَ: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)) وَقَرَأَ: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60][1].

    فالداعي لا يدعو الله صادقاً، إلا وقد انقطع من كل من سوى الله جل وعلا، وتعلق نياط قلبه بالله وحده تعلقاً أشد من أي وقت آخر، ولا يتم له ذلك إلا إذا شهد أنه الله هو رب الأرباب، ومصرف الأكوان، ومالك كل شيء، والمعبود وحده لا إله إلا هو، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    وفي الدعاء يتمثل التوحيد في أنقى صوره، وأسمى معانيه، ولهذا فقد أخبر القرآن الكريم عن جميع الناس أنهم في النوازل والنوائب لا يدعون أحداً إلاّ الله، ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:67]، بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:41].

    والدعاء يحقّق استحضار العبد صفاتِ الله تعالى وزيادة الإيمان بها والشعور بعظمتها وجلالتها, فهو إقرار من المؤمن بأنّ القوة لله جميعاً، وأنّ العزة لله جميعاً، وأنّ الله خالق كل شيء, ورازق كل دابّة، وأنّ الناصر هو الله والقاهر هو الله, والضار النافع هو الله, والآمر الناهي هو الله, والظاهر الباطن هو الله, (يعزّ من يشاء ويذلً من يشاء بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير) والإحساس بهذه المعاني هو الذي يقود المسلمين إلى امتثال أمر الله تعالى: فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    فتحقيق هذا اليقين، والتوحيد الذي حصل بهذا الدعاء على الطغاة والمتجبرين، يخلع الخوف الذي تولد في قلوب المسلمين من قوة المتجبرين، وطغيان الكافرين، ويجعلهم يحتقرون القوى كلها بجانب قوة العزيز القهار، ويعلمون أن ميزان القوى الحقيقي هو أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [البقرة:165]، فتصغر في عيونهم كل قوة مهما عظمت إذا هم استمدوا قوتهم من الله رب العالمين.

    والدعاء على أعداء الدين بشتى أنواعهم يا عباد الله تعبيرٌ صادقٌ عن عقيدة الولاء والبراء التي هي الرحى الذي تدور عليه عقيدة التوحيد ((أوثق عُرى الإيمان الحبُّ في الله والبغض في الله)), وهي العقيدة التي توجد المفاصلة في العقائد والأفكار والمناهج, ومن ثم تمايز الصفوف والنّصرة عند القتال.

    والدعاء على معسكر الكفر وأهله، إذكاءٌ لروح اليقين في حياة المسلمين, ليعلموا أنّ الأمر كله لله (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) فتمتلئ قلوبهم بمعية الله, فلا يشكّون في نصره ولا يخالجهم تردّدٌ في صدق وعده وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ [الصافات:173]، إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة:14]، كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ [البقرة:249].

    والدعاء على من اعتدى على المسلمين، وبغى عليهم، علامةٌ ظاهرةٌ على إيمان العبد وتضامنه مع إخوانه المسلمين إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ((لا يُؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)). كما يقول رسولنا : ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم, مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى)).

    والدعاء على من يحارب المسلمين إحياءٌ لمعاني الجهاد في النفس؛ إذ إنّ ((من لم يحدّث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية)) فلا بدّ من تهيئة الفؤاد لأحوال القتال وساعات النزال.

    فهو استحضار للمعركة المتواصلة بين الحق والباطل وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217]. فالدعاء يربّي قوة العزيمة وشدة البأس في نفس المسلم ليكون مستعدّاً لدكّ حصون الباطل. ويبعث فيه الإرادة الجازمة على محاربة كيد الكافرين الذين يبتغون العزة عند الشياطين إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:71]، ٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ [الأنفال: 18].

    عباد الله، أمة الإسلام ومن أعظم ثمرات الدعاء، أنه سبب من أسباب النصر، قد ضمن الله نتيجته وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    أمة الإسلام، لقد شرع قنوت النوازل للدعاء على الظالمين الذين يعتدون على المسلمين، ولعل هذه المعاني العظيمة التي ذكرت تتجلى فيه.

    إخوة العقيدة، أيها الإخوة المؤمنون، لا يظن ظان أننا حينما نتحدث عن الدعاء وأثره في الانتصار للمظلومين من الظالمين، أن ذلك يعني أن نكف عن أي عمل آخر غير الدعاء، ولكننا نذكر بالدعاء لأنه أول وآخر ما يلجأ إليه، ولا ينبغي أن يترك بحال من الأحوال، وحتى لا يتذرع متذرع بالعجز عن الاستنصار لهذا الدين وأهله، بأنه قد كبل بالأغلال، وأوثق بأشد الحبال. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ((أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام))[2].

    أيها الإخوة، لا تتحدث هذه الخطبة عن الدعاء وآدابه وفضائله، فلعل الله ييسر ذلك في خطبة أخرى، ولكنها تتحدث عن أثر الدعاء في انتصار المظلومين من الظالمين المعتدين على الإسلام والمسلمين.

    أمة التوحيد، إن أضعف ما يمكن أن يقوم به المسلم في هذه الأيام، لا سيما في هذه البلاد أن يكون له ورد يومي من الدعاء يدعو فيه على أعداء الدين من اليهود والصليبين، والمنافقين، وأخشى إن إيمان المرء يعتريه الزوال إذا كان قلبه ميتاً لا يتحرك لنصرة الدين وأهله ولو بالدعاء.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الترمذي وابن ماجه.

    [2] ابن حبان وهو في السلسلة الصحيحة (154).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  9. #9
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    عبدالعظيم بدوي الخلفي




    ملخص المادة العلمية

    تعريف الدعاء وأمر الله تعالى به.فائدة الدعاء في أنه ينفع مما نزل من البلاء ومما لم ينزل.آداب الدعاء.آفات الدعاء التي تمنع قبوله.




    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)).

    الدعاء هو الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال رغبة فيما عنده من الخير.

    ولقد أمر الله تعالى عباده أن يدعوه ويتضرعوا إليه، ووعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم سؤالهم.

    قال تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر:60].

    وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة:186].

    وقال النبي : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)).

    وقال : ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل)).

    ولقد توعد الله الذين يستنكفون عن دعائه فقال تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر:60].

    وقال النبي : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)).

    ولقد أخذ بعضهم هذا المعنى ونظم منه أبياتا فقال:

    لا تسأل بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

    فإن قال أحد: وما فائدة الدعاء؟ أليس كل شيء بقضاء ؟

    فالجواب: أن النبي أخبرنا أن الدعاء ينفع مما نزل من البلاء ومما لم ينزل منه.

    أما نفعه مما نزل: فإن الله تعالى قال: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين [الأنبياء:83-84].

    وقال تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء:89-90].

    ولقد أنكر الله على أقوام ابتلاهم ليدعوه ويتضرعوا إليه فأنساهم الشيطان ذلك فحقت عليهم كلمة العذاب.

    قال تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [الأنعام:42-45].

    فالواجب على الناس أن ينتبهوا لسنن الله فيهم، فقد يبتلون ليسمع الله دعاءهم وتضرعهم، فإن الله يحب أن يسأل ويدعى، فمن غفل عن ذكر الله في الشدة كان عن ذكره في الرخاء أغفل، وأولئك هم الخاسرون.

    أما كون الدعاء ينفع مما لم ينزل فقد دل عليه قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [يونس:98].

    ولذا قال النبي : ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)).

    وقوله : ((فعليكم عباد الله بالدعاء)) أي: الزموا الدعاء واجتهدوا فيه ألحوا وداوموا عليه، لأن به يحاز الثواب، ويحصل ما هو الصواب، وكفى بك شرفا أن تدعوه فيجيبك، ويختار لك ما هو الأصلح في العاجل والآجل.

    وإنما خص عباد الله بالذكر زيادة في الحث، وإيماء إلى أن الدعاء هو العبادة، كما صح بذلك الحديث عنه .

    فأكثروا رحمكم الله من الدعاء والسؤال، واسألوا الله من فضله [النساء:32].

    و((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع)).

    واعلموا أن للدعاء آدابا، منها:

    1- اختيار الأوقات الشريفة: كشهر رمضان، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، فـ ((إن في يوم الجمعة لساعة، لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه )). وكوقت السحر، فـ ((إن الله تعالى ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)). وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين بالأسحار. وقيل إن يعقوب عليه السلام لما قال لأبنائه سوف استغفر لكم ربي إنما أخّر الاستغفار لوقت السحر.

    2- أن يغتنم الأحوال الشريفة: كحال انتظار الصلاة، فإن ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)). وكحال السجود، فـ ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدا)). وقال : ((وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)). وكحال الوجل ورقة القلب، فعن أبي الدرداء أنه سئل عن الوجل المذكور في قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [الأنفال:2].

    فقال: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى.

    قال: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك.

    3- أن يقدم التوبة والاستغفار بين يدي الدعاء.

    4- أن يستقبل القبلة، فقد خرج النبي يستسقي فاستقبل القبلة ودعا.

    5- أن يرفع يديه بالدعاء، ((فإن الله تعالى حي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرا)).

    6- أن يبدأ بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، كما أرشدنا إلى ذلك ربنا سبحانه في سورة الفاتحة، حيث بدأ بالحمد والثناء والتمجيد، ثم أتبعه بالدعاء والسؤال.

    7- أن يصلي على النبي ، فقد سمع النبي رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يصلّ على النبي ، فقال: ((عجل هذا)). ثم دعاه فقال له: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز وجل والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ، ثم يدعو بعد بما شاء)).

    8- أن يدعو الله تعالى بربوبيته، يا رب! يا رب، فهذا هو هدى الصالحين في الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [البقرة:201].

    ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران:8].

    9- أن يجزم المسألة ولا يعلّق على المشيئة، لقوله : ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليجزم المسألة فإنه لا مكره له)).

    10- أن يوقن بالإجابة: لأن الله وعد بها، وهو سبحانه لا يخلف وعده ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)). وكان عمر يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، لأن الله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة:5].

    فإذا أراد أن يجيبك ألهمك أن تدعوه، فتدعوه فيجيبك، كما قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا [التوبة:118].

    تاب عليهم في القضاء ليتوبوا في الواقع فيتوب عليهم ويغفر لهم.

    11- التضرع والخشوع والرغبة، فإن الله تعالى قال: ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف:55].

    وأثنى على آل زكريا فقال: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء:90].

    12- الإلحاح في الدعاء والسؤال، فعن ابن مسعود قال: ((كان النبي إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل ثلاثا)).

    13- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى كما أمر بذلك فقال: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف:180].

    وسمع النبي رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد .

    فقال : ((لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)).

    14- التوسل إلى الله تعالى بصالح الأعمال:

    عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليه الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم)).

    فقال رجل منهم: ((اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه، وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلّي بين وبين نفسها، ففعلت، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

    وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب. فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ إلي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)).

    15- أن يختم بالصلاة على النبي ، لقول عمر : الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك .

    فإذا أخذ الداعي نفسه بهذه الآداب، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد، إلا إذا كانت هناك آفات تمنع قبوله.

    ومن الآفات التي تمنع قبول الدعاء:

    1- غفلة القلب، وعدم إقباله على الله تعالى وجمعيته عليه وقت الدعاء: قال النبي : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه)).

    2- أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء: قال : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)).

    3- المعاصي: فالمعاصي تمنع قبول الدعاء، ولذا قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي.

    ومن أعظم المعاصي:

    أ- أكل الحرام: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)).

    ب- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عن حذيفة عن النبي قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  10. #10
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
    المجمعة



    ملخص الخطبة

    1- حاجة المسلم إلى ربه دائمة لا تنقطع. 2- لجوء النبي إلى ربه في الأزمات. 3- قُرب الله ممن دعاه.


    الخطبة الأولى


    أما بعد: فإن حاجة المسلم إلى ربه دائمة، فهو سبحانه الرزاق ذو القوة المتين، وما يصيب العباد من النعماء والخير فبفضله، ولا يمسهم شيء من الأذى والعنت إلا بعلمه وحكمته، ولا يرفع إلا بإذنه وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ [النحل:53]، ولا غنى للمسلم عن الضراعة واللجوء إلى خالقه في كل حال وفي كل زمان، أما في أزمان الفتن وضيق الحال وتقلب الأمور فإن الحاجة تزيد، فالعبد ضعيف بنفسه مهما أوتي من قوة وبأس.

    وإن المتأمل في سيرة النبي وأحواله، ليرى منه العجب في تعلقه بربه واللجوء إليه والإلحاح على الله بالدعاء والطلب وعدم اليأس، مع أن دعاءه مجاب ورغبته محققة، أما عند مدلهمات الأمور ومفارق الطرق ومضايق الأحوال فإن نبينا يلجأ إلى ربه ويلح عليه في المسألة حتى إن أصحابه رضي الله عنهم ليشفقون عليه ويرحمونه من شدة تضرعه وسؤاله، قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9]، تستغيثون ربكم: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه للنصر عليهم، فاستجاب لكم، فأجاب دعاءكم بأني ممدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم بعضاً، ويتلو بعضهم بعضاً، ثم ساق سنده عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله إلى المشركين وعدتهم ونظر إلى أصحابه نيفاً على ثلاث مائة، فاستقبل القبلة فجعل يدعو ويقول: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه وأخذه أبو بكر الصديق فوضعه عليه ثم التزمه من ورائه ثم قال: كفاك يا نبي الله ـ بأبي وأمي ـ مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ اهـ.

    وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبي يوم بدر: ((اللهم أُنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ [القمر:45])) اهـ.

    وقد أخبرنا القرآن الكريم أن الدعاء عند مواجهة العدو من أمضى الأسلحة وأقواها، قال تعالى عن عباده المجاهدين: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ [آل عمران:147، 148]، وقال تعالى مبيناً للمسلمين أن تفويض الأمور إليه سبحانه يفيد في وقت الأزمات وتحزب الأحزاب: ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:172-174].

    وقال تعالى عن جند طالوت حين عاينوا جالوت وجنوده، وفر منهم من فر: وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ [آل عمران:250، 251].

    وهكذا كل مسلم تنزل به نازلة أو تحل به أو بإخوانه نكبة، يلجأ إلى ربه بالدعاء والضراعة، في الصحيحين كان رسول الله يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله)).

    قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: إنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين لما فيه من نفع المسلمين بإضعاف عدو المؤمنين. اهـ.

    والله تعالى قريب ممن دعاه، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، والدعاء خير كله فهو من أجل العبادات وأعلاها وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ومن رفع يديه والتجأ إلى ربه ودعا لنفسه ولإخوانه المسلمين لم يخسر شيئاً، بل يربح والله إحدى ثلاث خصال أخبر بهن النبي : ((ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يستجيب له دعوته أو يصرف عنه من السوء مثلها أو يدخر له من الأجر مثلها قالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال الله أكثر)) أخرجه الحاكم وصححه، وأخبرنا النبي : ((الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء)) أخرجه الحاكم، وما أحرى كل مسلم أن يستشعر كون المسلمين كالجسد الواحد الذي يتألم كله لشوكة تصيب أصبع القدم أو لجرح صغير في طرفه، فضلاً عن المواجع والآلام التي لا تطاق.

    وتذكر أخي المسلم ذلك العجوز الفلسطيني الذي يهدم بيته على رأسه وهو ينظر، وتصور حال ذلك اللاجئ الطريد الهارب من الضرب والقصف، أو صاحبه الذي تمطره السماء قذائف وقنابل تهز الجبال وتصم الآذان وتحيل الصخر تراباً بإذن الله تعالى، وتفكر في تلك المرأة التي ديس شرفها وأهين عرضها وتخيل أنها أختك أو ابنتك، ألا تأخذك الحمية والغيرة؟

    ويا من تنام شبعان آمناً مطمئناً بين عيالك تذكر آلافاً من المسلمين حلت بهم النكبات ونزلت بهم المصائب، ففرقت بين الولد وأبيه وبين الأم ورضيعها، ويا من ينعم بلذيذ المآكل والمشارب مع الصحب والإخوان تذكر إخواناً لك لا يجدون ما يسد جوعتهم أو يروي ظمأهم، وهم في خوف ورعب لا يطاق، ويا من يسكن البيوت الباردة في الصيف الدافئة في الشتاء وينام على الفرش الوثيرة، أتعلم أن إخواناً لك يفترشون الغبراء ولحافهم السماء وأمطارهم قذائف محرقة وشهب لاهبة لا تبقي ولا تذر، ما شعورك حين ترى صورة تلك العجوز التي تندب ولدها وتولول على مقتله بين يديها؟ وما ظنك لو كانت هذه العجوز أمك أو أختك أو قريبتك؟ أيهدأ لك بال أو تطمئن بك دار؟

    ما أجهل أقواماً غفلوا عما أمامهم وألفوا حياة الدعة والراحة، والأمم من حولهم تطحنها الحروب وتعصف بها الكروب وهو في غفلة ساهون، وفي لعبهم سامدون وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد، ما بال أقوام أمنوا مكر الله تعالى وظنوا أنهم في مأمن من العذاب والبلاء؟ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل:45-47]، لله درُ عينٍ بكت من خشية الله وخوف عقابه، ولله درُ عين ذرفت دمعها حزناً وألماً على مصاب المسلمين.

    ولله درك أيها المسلم حين ترى ما حل بإخوانك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فترفع يد الضراعة إلى ربك سائلاً متضرعاً، تسأل الله لإخوانك كشف الضر وزوال البلاء، والله سبحانه لا يخيب راجياً ولا يرد سائلاً، وهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس:82].

    بارك الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه غفور رحيم.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  11. #11
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    هشام برغش



    تعريف الدعاء:

    أولاً: لغة:

    الدعاء: مصدر الفعل دعا, قال ابن منظور: "دعا الرجل دعوًا ودعاءً: ناداه. والاسم: الدعوة. ودعوت فلانًا: أي صِحت به واستدعيته. (لسان العرب)

    وقال: "دَعَاه دعاء ودعوى, حكاه سيبويه في المصادر التي آخرها ألف التأنيث" (السابق).

    "والدعاء واحد الأدعية, وأصله دعاو؛ لأنه من دعوت, إلا أن الواو لما جاءت متطرّفة بعد الألف هُمزت.

    وتقول للمرأة: أنت تدعين, وفيه لغة ثانية: أنت تدعُوين, وفيه لغة ثالثة: أنت تَدْعُين؛ بإشمام العين الضمة, والجماعة أنْتُنَّ تدعون مثل الرجال سواء" (السابق).

    ثانيًا: شرعًا: عرف بعدة تعريفات:

    1. "هو الرغبة إلى الله عز وجل" (لسان العرب).
    2. وقال الخطابي: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ـ عز وجل ـ العناية واستمداده إياه المعونة
    وحقيقته: إظهار الافتقار إليه, والتبرؤ من الحول والقوة, وهما سمة العبودية, واستحضار الذلة البشرية, وفيه معنى الثناء على الله عز وجل وإضافة الجود والكرم إليه". شأن الدعاء للخطابي (ص4).
    3. وقال ابن القيم: "هو طلب ما ينفع الداعي, وطلب كشف ما يضره أو دفعه" بدائع الفوائد( 3/2).
    4. وقيل: هو: "الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال, والرغبة فيما عنده من الخير, والتضرع إليه في تحقيق المطلوب, والنجاة من المرهوب" الدعاء لعبد الله الخضري (ص 10).
    أنواع الدعاء والعلاقة بينها:

    يمكن اعتبار الدعاء الوارد في القرآن نوعين:

    1 ـ دعاء المسألة.

    2 ـ دعاء العبادة.

    قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله : "كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء, والنهي عن دعاء غير الله, والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة, وهذه قاعدة نافعة؛ فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة ـ دعاء المسألة فقط, ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء, وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه...." (القواعد الحسان للسعدي ص 154, 155 ـ بدائع الفوائد لابن القيم 3/3).

    دعاء المسألة: هو أن يطلب الداعي ما ينفعه وما يكشف ضره (بدائع الفوائد 3/2).

    أو هو ما تضمن مسألة أو طلبًا؛ كأن يقول الداعي: أعطني, أكرمني, وهكذا... وهذا النوع على ثلاثة أضرب:

    1 ـ سؤال الله ودعاؤه: كأن يقول: اللهم ارحمني؛ فهذا من عبادة الله.

    2 ـ سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه المسئول: كأن يطلب من ميت أو غائب أن يطعمه أو ينصره أو يغيثه... فهذا شرك أكبر.

    3 ـ سؤال غير الله فيما يقدر عليه المسئول: كأن يطلب من حي قادر حاضر أن يطعمه أو يعينه فهذا جائز.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ :"وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء" (التوسل والوسيلة ص 165).

    وأما دعاء العبادة: فيشمل جميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب وداع بلسان مقاله, ولسان حاله ربَّه قبول تلك العبادة, والإثابة عليها؛ فهو العبادة بمعناها الشامل.

    وصرف هذا النوع لغير الله شرك أكبر.

    تلازم نوعي الدعاء: وذلك أن الله عز وجل يُدعى لجلب النفع ودفع الضر (دعاء المسألة), ويدعى خوفًا ورجاء (دعاء العبادة), فكل منهما مستلزم الآخر متضمن له.

    الآيات في الأمر بالدعاء والحث عليه:

    قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60].

    قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ في الآية: "والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه سبحانه وتعالى أمر عباده أن يدعوه ثم قال: إن الذين يستكبرون عن عبادتي فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة, وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار, ولا أقبح من هذا الاستكبار..." (تحفة الذاكرين ص 28).

    وقال ابن كثير: "هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عبادة إلى دعائه, وتكفل لهم بالإجابة..." (تفسير القرآن العظيم 7/142).

    وقال: "وقوله: إن الذين يستكبرون عن عبادتي؛ أي عن دعائي وتوحيدي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين حقيرين" (السابق 7/144).

    قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [البقرة: 186].

    قال ابن القيم في الآية: "يتناول نوعي الدعاء[1], وبكل منهما فسرت الآية؛

    قيل: أعطيه إذا سألني, وقيل: أثيبه إذا عبدني, والقولان متلازمان" (بدائع الفوائد 3/3).

    قوله تعالى: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم [الفرقان: 77].

    قال ابن القيم: "قيل: لولا دعاؤكم إياه, وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول, وعلى الأول: مضافًا إلى الفاعل, وهو الأرجح من القولين, وعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء, وهو في دعاء العبادة أظهر؛ أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه, وعبادته تستلزم مسألته؛ فالنوعان داخلان فيه" (بدائع الفوائد 3/3).

    وقال ابن كثير: "أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه, ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلاً, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم يقول: لولا إيمانكم" (ابن كثير 6/143).

    قوله تعالى: ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين [الأعراف: 55].

    قال ابن كثير: "أرشد تعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم, فقال تعالى: ادعوا ربكم تضرعًا وخفية معناه: تذللاً واستكانة, و(خفية) كما قال: واذكر ربك في نفسك [الأعراف: 205]..." (ابن كثير 3/423).

    الآيات في فضل الدعاء والثناء على أهله:

    قوله تعالى في الثناء على نبيه وعبده زكريا وأهله: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا... [الأنبياء: 90].

    قال القرطبي: "أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة, وقيل: المعنى: يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان..." (الجامع لأحكام القرآن 11/336).

    قوله تعالى في وصف أهل الإيمان الذين ينتفعون بالقرآن: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطعمًا... [السجدة: 16].

    قال ابن كثير: "أي خوفًا من وبال عقابه, وطمعًا في جزيل ثوابه".

    قوله تعالى في وصف عباد الرحمن: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا... إلى قوله: والذين يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا... [الفرقان: 65 ـ 77].

    قوله تعالى في وصف أولي الألباب: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض إلى قوله تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم... [آل عمران: 190 ـ 195].

    النصوص من السنة:

    في فضائل الدعاء وأهميته:

    قوله : ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم....

    رواه الترمذي (2969) في التفسير, وقال: حسن صحيح, وأبو داود (1479) في الصلاة, وابن ماجه (3828) في الدعاء من حديث النعمان بن بشير, وقال الألباني في صحيح الجامع (3407): صحيح.

    قال في تحفة الأحوذي: "أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله, والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه" (تحفة الأحوذي 8/247).

    وقال الطيبي ـ رحمه الله ـ: "يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي, وهو غاية التذلل والافتقار والاستكانة, وما شرعت العبادة إلا للخضوع للباري, وإظهار الافتقار إليه, وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار, ووضع عبادتي موضع دعائي, وجعل جزاء ذلك الاستكبار الهوان والصغار" (عون المعبود 4/247).

    قوله : ((ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء)).

    رواه أحمد في المسند (2/ 362), والترمذي (3370) الدعوات, وابن ماجه (3829) في الدعاء, والبخاري في الأدب المفرد (712) وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (549) من حديث أبي هريرة.

    قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ في الحديث: "قيل: وجه ذلك أنه يدل على قدرة الله تعالى وعجز الداعي.

    والأولى أن يقال: إن الدعاء لما كان هو العبادة, وكان مخ العبادة كما تقدم ـ كان أكرم على الله من هذه الحيثية؛ لأن العبادة هي التي خلق الله سبحانه الخلق لها كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبون [الذاريات: 56]" (تحفة الذاكرين ص 3).

    وقال في تحفة الأحوذي: "لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته" (التحفة 9/218).

    قوله : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)).

    رواه أحمد (2/442), والترمذي (3373), وابن ماجه (3827) في الدعاء, وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (512) من حديث أبي هريرة.

    قال في تحفة الأحوذي: "لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد...".

    وقال الطيبي: "وذلك لأن الله يحب أن يسأل من فضله فمن لم يسأل الله يبغضه, والمبغوض مغضوب عليه لا محالة" (تحفة الأحوذي 9/221).

    وقال الشوكاني: "في الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات, وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه" (تحفة الذاكرين ص 31 بتصرف يسير).

    · قوله : ((ولا يرد القدر إلا الدعاء)).

    أخرجه أحمد (5/277)، والترمذي (139) في القدر، وابن ماجه (90) في المقدمة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7687).

    قال الشوكاني رحمه الله عن الحديث : (( فيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة)). (تحفة الذاكرين ص29).

    وقال : ((والحاصل أن الدعاء من قدر الله عز وجل ؛ فقد يقضي على عبده قضاء مقيداً بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه)) (السابق ص30).

    وقال في تحفة الأحوذي في شرح الحديث:

    ((القضاء هو الأمر المقدر، وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه فإذا وُفق للدعاء دفعه الله عنه، فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه..)). (تحفة الأحوذي).

    وقال ابن القيم : ((والصواب، أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجرداً عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال..)) (الجواب الكافي ص16).

    · قوله : (( لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة)).

    ومعنى يعتلجان: يتصارعان ويتدافعان.

    [أخرجه الطبراني في الدعاء (2/800) (33)، والأوسط (2519)، والحاكم (1/492) من حديث عائشة وقال: هذا صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بأن في سنده زكريا بن منظور الأنصاري مجمع على ضعفه.

    وأخرجه أحمد (5/234) والطبراني في الكبير (20/103) (201) من حديث معاذ بنحوه.

    وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7739)].

    · قوله : ((من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئاً يعطى أحب إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)).

    [أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر (3548) وحسنه الألبـاني في صحيـح الجامـع (3409)].

    قال في تحفة الأحوذي : (( قوله : (من فتح له منكم باب الدعاء) أي بأن وفق لأن يدعو الله كثيراً مع وجود شرائطه وحصول آدابه (فتحت له أبواب الرحمة) يعني أنه يجاب لمسئوله تارة ويدفع عنه مِثله من السوء أخرى كما في بعض الروايات: ((فتحت له أبواب الإجابة)) وفي بعضها: (( فتحت له أبواب الجنة . . )).

    وقال في قوله: ((إن الدعاء ينفع مما نزل)) أي من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقاً، وبالصبر إن كان محكماً ؛ فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيُصَبِّره عليه أو يُرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنياً خلاف ما كان بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء.

    (ومما لم ينزل) أي بأن يصرفه عنه ويدفعه منه، أو يمدّه قبل النزول بتأييد من يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به.

    (فعليكم عباد الله بالدعاء) أي إذا كان هذا شأن الدعاء.

    ((فالزموا يا عباد الله الدعاء..)) (التحفة 9/374).

    في شروط الدعاء وآدابه:

    · قوله لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)).

    رواه أحمد (1/293، 307)، والترمذي (2511) في صفة القيامة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7957).

    - قال ابن رجب: ((. . هذا منزع من قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة . . )).

    وقال : ((واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين, لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، [و]لا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة..". جامع العلوم والحكم ص 180، 181.

    · قوله : ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول : دعوت فلم يستجب لي)).

    رواه البخاري (6340) في الدعوات، ومسلم (2735) في الذكر والدعاء من حديث أبي هريرة.

    · وقوله : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل.

    قيل : يا رسول الله، ما الاستعجال؟

    قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء)).

    رواه مسلم (2736) في الذكر والدعاء من حديث أبي هريرة أيضاً.

    ومعنى : يستحسر : ينقطع.

    قال ابن حجر: ((وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار)) الفتح (11/141).

    وقال ابن القيم رحمه الله : ((ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله)) (الجواب الكافي ص 10).

    · قوله : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)).

    أخرجه الترمذي (3479) في الدعوات من حديث أبي هريرة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (245).

    · قوله : ((يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني)).

    رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675) من حديث؟؟؟

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله في الحديث: ((فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسبها؛ فمن ظن به خيراً أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميع تفضلاته ونثر عليه محاسن كراماته وسوابغ عطياته، ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله تعالى له هكذا..)) التحفة (ص 12).

    · قوله : ((واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه)).

    أخرجه الترمذي (3476) في الدعوات، والحاكم (1/494)، والطبراني في الدعاء (62) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (245).

    قال النووي رحمه الله : (( واعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر والعلم به أوضح من أن يذكر)) الأذكار ص 356.

    · قوله في حديث أبي أمامة الباهلي لما قيل له: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)).

    رواه الترمذي (3499) في الدعوات والنسائي في عمل اليوم والليلة (108)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2782).

    قال ابن القيم رحمه الله : "(دبر الصلاة) يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا – يعني ابن تيمية – يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه, كدبر الحيوان)). (زاد المعاد (1/305)).

    وقال الشيخ ابن عثيمين : (( الدبر هو آخر كل شيء منه، أو هو ما بعد آخره)).

    ورجّح حفظه الله أن الدعاء دبر الصلوات المكتوبة أنه قبل السلام، وقال : ((ما ورد من الدعاء مقيداً بدبر فهو قبل السلام)).

    وما ورد من الذكر مقيداً بدبر فهو بعد الصلاة ؛ لقوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم [النساء:103].

    من إملاءات الشيخ في درس زاد المعاد نقلاً عن كتاب الدعاء للشيخ الحَمد.

    · قوله : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)).

    رواه مسلم (3009) في الزهد، وأبو داود (1532) من حديث جابر.

    قال في عون المعبود: (( (لا تدعوا) أي دعاء سوء (على أنفسكم) أي بالهلاك ومثله (ولا تدعوا على أولادكم) أي بالعمى ونحوه (ولا تدعوا على أموالكم) أي من العبيد والإماء بالموت وغيره (لا توافقوا) نهي للداعي، وعلة النهي أي لا تدعوا على من ذكر لئلا توافقوا (من الله ساعة نيل) عطاء (فيها عطاء فيستجيب لكم) أي لئلا تصادفوا ساعة إجابة ونيل فتستجاب دعوتكم السوء..)). عون المعبود.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  12. #12
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    قوله : ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، فتدعونه فلا يستجاب لكم)).

    رواه الترمذي في الفتن (2169) وقال : هذا حديث حسن، وأحمد (5/288) والبغوي في شرح السنة (4514) من حديث حذيفة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7070).

    قال أهل العلم: ((لذا يمكن الجزم بأن ترك القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مانع من موانع إجابة الدعاء، فعلى كل مسلم يرغب بصدق أن يكون مستجاب الدعوة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب طاقته وجهده)) (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصالح الدرويش ص 34).

    قوله : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)).

    رواه مسلم (1015) في الزكاة، والترمذي (2982) في التفسير.

    قال ابن رجب رحمه الله : ((هذا الكلام أشار فيه إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته)).

    فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:

    أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة عن النبي قال: ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده))[2].

    ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء ؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.

    والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار، وهو أيضاً من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي : ((رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)).

    ولما خرج النبي للاستسقاء خرج متبذلاً متواضعاً متضرعاً.

    الثالث: مد يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمان عن النبي : ((إن الله حي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين))[3].

    والرابع: الإلحاح على الله عز وجل بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء. . ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تفتتح باسم الرب ؛ كقوله تعالى: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة..، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا... وقوله: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا... ومثل هذا في القرآن كثير.

    وأما ما يمنع إجابة الدعاء: فقد أشار إلى أنه التوسع في الحرام أكلاً وشرباً ولبساً وتغذيةً[4].

    وروى عكرمة بن عمار : حدثنا الأصفر قال : قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله قال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيؤها؟ ومن أين خرجت؟.

    وعن وهب بن منبه قال : من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته.

    وقوله : ((فأنى يستجاب لذلك)) معناه: كيف يستجاب له؟! فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة ومنعها بالكلية ؛ فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعاً من الإجابة أيضاً، وكذلك ترك الواجبات.

    وعن عمر بن الخطاب قال : بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح.

    وعن أبي ذر قال : يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام من الملح.

    وقال محمد بن واسع: (يكفي من الدعاء مع الورع اليسير). [جامع العلوم والحكم بتصرف يسير 98-101].

    · عن فضالة بن عبيد قال : بينما رسول الله قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني.

    فقال رسول الله : ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصلَّ علي ثم ادعه)).

    ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي فقال له النبي : ((أيها المصلي ادع تُجب)).

    رواه الترمذي (3476) في الدعوات، وأبو داود(1481) في الصلاة، والنسائي في السهو (1284) وقال الألباني في صحيح الجامع (3988): صحيح.

    · وقال : ((كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي )).

    أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (10/160) عن علي، وأخرجه الديلمي في الفردوس (4791) من حديث أنس، وأخرجه الترمذي (486) في الصلاة موقوفاً عن عمر، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4523).

    قال السندي في شرح قوله : (( عجلت أيها المصلي )) : (وفيه إشارة إلى أن حق السائل أن يتقرب إلى المسئول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب الزلفى عنده ويتوسل له بشفيع له بين يديه ليكون أطمع في الإسعاف وأحق بالإجابة، فمن عرض السؤال قبل تقديم الوسيلة فقد استعجل).

    · قوله : ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنه لا مستكره له)).

    رواه البخاري (6339) في الدعوات، باب ليعزم المسألة، ومسلم (2678) في الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء.

    قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله في شرحه على الحديث : (( بخلاف العبد ؛ فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسؤول، مخافة أن يعطيه وهو كاره بخلاف رب العالمين ؛ فإنه تعالى لا يليق به ذلك لكمال غناه عن جميع خلقه وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين وعطاؤه كلام . . فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة فإنه لا يعطي عبده شيئاً عن كراهة ولا عن عظم مسألة..)). (فتح المجيد ص 471 بتصرف يسير).

    · قوله : ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرب فليكثر من الدعاء في الرخاء)).

    أخرجه الترمذي في الدعوات (3382) والحاكم (1/544)، والطبراني في الدعاء (44، 45) من حديث أبي هريرة وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6290).

    قال في تحفة الأحوذي : ((لأن من شيمة المؤمن أن يُريِّش السهم قبل أن يرمي ويلتجئ إلى الله قبل الاضطرار)).

    وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوت معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له. (جامع العلوم ص179، 180).

    وقال مضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وإن فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين. (جامع العلوم ص 179).

    جملة من هديه في الدعاء:
    · الدعاء ثلاثاً: فعن مسلم من حديث ابن مسعود الطويل وفيه: ((وكان إذا دَعا دعا ثلاثاً)). (مسلم (1794) في الجهاد والهجرة).

    استقبال القبلة: فعند البخاري: ((استقبل رسول الله الكعبة فدعا على قريش)) البخاري (3960) في المغازي.
    رفع الأيدي في الدعاء فعند البخاري ومسلم من حديث أبي موسى: ((دعا النبي ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه)).
    البخاري (4323) في المغازي، ومسلم (2498) في فضائل الصحابة.

    · أن يبدأ بنفسه : فعن أبي بن كعب أن رسول الله كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه.

    رواه الترمذي (3385) في الدعوات، وأبو داود (3984) في القراءات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4723).

    من أقوال السلف في الدعاء:
    1- روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن همّ الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء، فإن الإجابة معه. (الدعاء لحسين العوايشة ص 53)

    2- روي عن أبي ذر أنه قال : يكفي من الدعاء البر كما يكفي الطعام من الملح. ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (1/593).

    3- روي عن مُورِّقٍ أنه قال : ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب لعل الله عز وجل أن ينجيه. ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناده إلى مورق (7/161).

    4- روي عن القاسم بن عبد أنه قال : قلت لأنس بن مالك : يا أبا حمزة ادع الله لنا. قال : الدعاء يرفعه العمل الصالح. (الدعاء للعوايشة ص 53).

    5- روي عن ابن مسعود أنه قال : إن الله لا يقبل من مسمع ولا مراء ولا لاعب، ولا داع، إلا داعياً دعاء ثبتاً من قلبه. (السابق ص 53).

    6- روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تؤخر له في الآخرة إذا لم يعجل أو يقنط. (الدعاء للعوايشة ص 53)

    7- روي عن عبد الله بن أبي صالح أنه قال : دخل علي طاووس يعودني فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن. فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (2/289).

    ملحقات الخطبة:

    · بعض الأشعار:

    ثم ننساه عند كشف الكروب

    نحن ندعو الإله في كل كرب



    قد سددنا طريقها بالذنوب

    كيف نرجو إجابة لدعاء



    علي فما ينفكّ أن يتفرجا
    أصاب له في دعوة الله مخرجاً

    وإني لأدعو الله والأمر ضيق
    ورب فتىً ضاقت عليه وجوهه



    وما تدري بما صنع الدعاء
    له أمـد وللأمـد انقضـاء

    أتهـزأ بالدعـاء وتزدريـه
    سهام الليل لا تخطي ولكن



    طي الحوادث محبوب ومكروه
    وربما ساءني ما كنت أرجــوه

    تجري الأمور على حكم القضاء وفي
    رُبما سـرني مـا كنـت أحــذره


    · أحاديث ضعيفة وموضوعة في الدعاء:

    1- ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)).

    قال ابن تيمية عنه: ((فهذا الحديث كذب مفترى على النبي بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة)) (التوسل والوسيلة ص 174).

    وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: ((وهذا الكلام دعوة إلى الشرك بالله عز وجل فإن الاستعانة بأصحاب القبور والاستغاثة بهم من أعظم أنواع الشرك بإجماع أهل العلم والإيمان..)).

    2- ((إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي ؛ فإن جاهي عند الله عظيم)).

    قال ابن تيمية رحمه الله عنه: ((وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث)) (التوسل ص 174).

    وقال الألباني رحمه الله: ((لا أصل له)).

    وقال : ((الأحاديث الواردة في التوسل به تنقسم إلى قسمين: صحيح، وضعيف.

    أما الصحيح، فلا دليل فيه البتة على المدعى مثل توسلهم به لا بجاهه ولا بذاته ، ولما كان التوسل بدعائه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به بعد وفاته غير ممكن وغير جائز..)) السلسلة الضعيفة (22).

    3- ((حسبي من سؤالي علمه بحالي)).

    قال الألباني: ((لا أصل له، وأورده بعضهم من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو من الإسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع)).

    وقال ابن تيمية: (وأما قوله: ((حسبي من سؤالي علمه بحالي)) فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله، ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤلهم له صلاح الدنيا والآخرة). الفتاوى (8/539).

    4- ((لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي . . الحديث)).

    رواه الحاكم في المستدرك (2/615) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع. وقال ابن تيمية عنه: ((ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه؟ فإنه قد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم" : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. .)) قاعدة جليلة ص98، 99.

    وقال الألباني : ((وجملة القول أن الحديث لا أصل له عنه ، فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني..)).الضعيفة (1/40) (25).

    5- ((الدعاء مخ العبادة)):

    رواه الترمذي من حديث أنس (3371) وضعفه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (3611) ويغني عنه حديث ((الدعاء هو العبادة)) وهو صحيح.


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أي دعاء العبادة ودعاء المسألة.

    [2] أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وعنده : دعوة الوالد على ولد، وروى مثله عن ابن مسعود من قوله.

    [3] رواه أبو داود (1488) في الصلاة، والترمذي ( 3556) في الدعوات، وابن ماجه (3865) في الدعاء وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

    [4] وقد جاءت بعض الأحاديث في هذا المعنى ولكن فيها ضعف؛ منها الحديث المشهور : (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) أخرجه الطبراني، وقال في الضعيفة : ضعيف جداً.

    وقال في المجمع (1/291) : رواه الطبراني في الصغير وقال : (( وفيه من لم أعرفهم)).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  13. #13
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    عبدالله صالح القصير


    ملخص الخطبة

    1- حق الداعي على الله عز وجل ومنزلته 2- عدم تعليق الدعاء بالمشيئة 3- قصر المسألة إلى الله دون سائر خلقه 4- أوقات مستحبّة للدعاء


    الخطبة الأولى


    أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله ربكم وأطيعوه، واشكروا له ولا تكفروه، وأثنوا عليه بما هو أهله وادعوه، فإنه ـ سبحانه ـ قد أمركم بإخلاص الدعاء، ووعدكم عليه بكريم العطاء وصرف البلاء، وأرشدكم إلى أن الدعاء من أعظم الأسباب التي ينال بها الخير ويتقى به المكروه في الدنيا والأخرى، فقال ـ جل ذكره ـ في تنزيله وذكره: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60]. وقال ـ سبحانه ـ: هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [غافر:65].

    عباد الله، اطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء، وسلوا الله العفو والعافية واليقين في الآخرة والأولى، وسلوه ـ تبارك وتعالى ـ أن يستر عوراتكم، وأن يؤمن روعاتكم، وأن يؤتيكم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ فإن ذلك من جوامع الدعاء، واستجابته من جزيل العطاء وسابغ النعماء، ومن دعا ربه فاستجاب له ورأى ما يسره فليقل: الحمد لله الذي بنعمته وعزته وجلاله تتم الصالحات. ومن أبطأ عنه مطلوبه ومراده أو رأى ما يكره فليقل: الحمد لله على كل حال[1]؛ فإن ذلكم هو هدي نبيكم محمد في تلك الأحوال.

    أيها المسلمون، أكثروا من الدعاء، فليس شيء أكرم على الله ـ عز وجل ـ من الدعاء، ومن لم يدع الله ـ عز وجل ـ غضب عليه، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي قال: ((إن الله حيي كريم إذا رفع العبد إليه يديه يستحي أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً))[2]. وفي صحيح الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال: ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بإحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)) [3].

    أيها المسلمون، من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له، ومن سره أن يستجيب الله له حال الشدة والضيق فليكثر من الدعاء حال الرخاء، وليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، وليلح في الدعاء ؛ ففي المتفق عليه عن أبي هريرة عن النبي قال: ((يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل))، قالوا: وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: ((يقول: قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي، فيتحسر عند ذلك فيدع الدعاء)) [4].

    وفيهما عنه أيضا قال: قال رسول الله : ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت. ليعزم مسألته ؛ فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له)) [5]، وفي صحيح مسلم عنه أيضا أن رسول الله قال: ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)) [6].

    فينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، وأن يكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريما، وقد روي عن الإمام ابن عيينة ـ رحمه الله ـ قال: لا يمنعن أحدكم الدعاء ما يعلم من نفسه ـ يعني التقصير ـ فإن الله قد أجاب شر خلقه وهو إبليس حين قال: قَالَ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36].

    أيها المؤمنون، ليكن فزع أحدكم في الدقيق والجليل من حاجاته ورغباته إلى الله، ولا يلتفت في شيء منها بقلبه إلى أحد سواه؛ فإن الله ـ تعالى ـ قال: وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ [النساء:32]. وقال: فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً [الجن:18].

    وفي الترمذي بسند حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل)) [7]، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ثوبان قال: قال رسول الله : ((من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له الجنة؟)) فقلت: أنا. فكان لا يسأل الناس شيئا[8].

    وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله تسعة ـ أو ثمانية أو سبعة ـ فقال: ((ألا تبايعون رسول الله ؟)) وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: ((على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا ـ وأسر كلمة خفيفة ـ ولا تسألوا الناس شيئاً، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه)) [9].

    عباد الله، اجتهدوا في الدعاء، وأكثروا من الثناء، وعظموا الرجاء، وتحلوا بآداب الدعاء، فإن خزائن الله ملأى، ويديه سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، وفي الحديث القدسي الصحيح يقول الله ـ تعالى ـ: ((يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي شيئاً)) [10]. في التنزيل: ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف:55-56].

    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وجعلنا من خاصة أوليائه وأحبابه، الذين يحل عليهم رضوانه ويمنحهم جزيل ثوابه، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أخرج ابن ماجه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال : ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))، وإذا رأى ما يكره قال: ((الحمد لله على كل حال)) وهو حديث حسن.

    [2] أخرجه أحمـد (5/438)ـ وأبو داود ح (1488) والترمـذي ح (3556) وقـال: حسـن غريب، وابن ماجــه ح (3865).

    [3] مستدرك الحاكم (1/493) وقال : صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي بنحوه ح (3381).

    [4] صحيح البخاري بنحوه ح (6340) ، صحيح مسلم ح (2735) واللفظ له.

    [5] صحيح البخاري ح (6339) ، صحيح مسلم ح (2679).

    [6] صحيح مسلم ح (2679).

    [7] سنن الترمذي ح (2326) ، وقال : حسن غريب ، وهو صحيح إلا أن قوله : ((برزق . . )) انظر السلسلة الصحيحة للألباني (2787).

    [8] سنن أبي داود ح (1643) ، وصحح المنذري إسناده في "الترغيب" ح (1200).

    [9] صحيح مسلم ح (1043).

    [10] أخرجه مسلم ح (2577).




    الخطبة الثانية


    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين والناصح المبين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، وعاملوه معاملة من يعتقد أنه يسمع ويرى، وادعوه واذكروه في سائر أحوالكم تفوزوا بخيري الدنيا والأخرى، ولا تعرضوا عن الدعاء فتحشروا مع من استكبر وأبى، بل ادعوا الله مخلصين له الدين راغبين راهبين، وبآداب الوحيين مستمسكين؛ فإن سؤال الله الحاجات دقيقها وجليلها كبيرها وصغيرها توحيد وعبادة، وإن عدم الاحتياج إلى الله والإعراض عنه كفر وإباء؛ يوصل صاحبه النار وبئس مهاده، وإن الالتفات بالحاجات إلى غير رب الأرض والسماوات شرك برب العالمين؛ يخرج صاحبه من الدين، ويحرمه إذا مات عليه مغفرة ورحمة أرحم الراحمين، ويحرم عليه الجنة ويجعله خالدا في النار، وذلك هو الخسران المبين.

    عباد الله، اعلموا أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد تقتضي حكمة الله تأخير الإجابة، أو يعوض عنه بما هو أولى له مما دعا به عاجلا وآجلا، وذلك من رحمة الله بعباده. فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء، كما هو متعبد في التسليم والتفويض للقدر والقضاء، ومن جملة آداب الدعاء تحري الأحوال والأوقات الفاضلة كالسجود، وعند الأذان وبين الأذان والإقامة وآخر الليل، ومنها أن يكون على طهارة إذا تيسر، ومنها استقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة، والاعتراف بالذنب، والإخلاص، وسبقه بما تيسر من الصدقة، وترك أكل الحرام، وافتتاح الدعاء بالحمد والثناء، والصلاة على خير المرسلين وخاتم الأنبياء، وسؤال الله بأسمائه الحسنى، والدعاء بجوامع الدعاء.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله، إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  14. #14
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    عبدالمحسن القاضي
    عنيزة




    ملخص الخطبة

    1- فضل الدعاء. 2- فوائد الدعاء. 3- موانع قبول الدعاء.


    الخطبة الأولى


    أما بعد :

    فاتقوا الله تعالى أيها الناس واعلموا أن الدعاء أعظم أنواع العبادة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي قال: ((الدعاء هو العبادة ))، ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [سورة غافر:60]. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم[1]، وقد أمر الله بدعائه في آيات كثيرة، ووعد بالإجابة وأثنى على أنبياءه ورسله، فقال: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ [سورة الأنبياء:90].

    وأخبر سبحانه، أنه قريب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فقال سبحانه لنبيه : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [سورة البقرة :186].

    وأمر سبحانه بدعائه، والتضرع إليه، لا سيما عند الشدائد ،والكربات، وأخبر أنه لا يجيب المضطر، ولا يكشف الضر إلا هو، فقال: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء [سورة النمل: 62].

    وذم الذين يعرضون عن دعائه عند نزول المصائب، وحدوث البأساء، والضراء، فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [سورة الأعراف:94]. وقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ % فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ [سورة الأنعام:42،43].

    وهذا من رحمته وكرمه سبحانه، فهو مع غناه عن خلقه، يأمرهم بدعائه ،لأنهم هم المحتاجون إليه، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ [سورة فاطر :15]. وقال تعالى :وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء [سورة محمد: 38]. وفي الحديث القدسي: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاتسغفروني أغفر لكم)) رواه مسلم[2].

    فادعوا الله عباد الله، واعلموا أن لاستجابة الدعاء شروطا لابد من توفرها، فقد وعد الله سبحانه أن يستجيب لمن دعاه، والله لا يخلف وعده، ولكن تكون موانع القبول من قبل العبد.

    فمن موانع إجابة الدعوة:

    أن يكون العبد مضيعا لفرائض الله، مرتكبا لمحارمه ومعاصيه،تعالى: ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [سورة يونس:91].

    إخوة الإيمان، ومن أعظم موانع الدعاء أكل الحرام وشرب الحرام ولبس الحرام، فقد ذكر النبي : ((الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك)) رواه مسلم[3]، فقد أشار النبي إلى أن التمتع بالحرام أكلا، وشربا، ولبسا، وتغذية أعظم مانع من قبول الدعاء وفي الحديث: ((أطب مطمعك تكن مجاب الدعوة))[4]، فقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في كتاب الزهد قال: " أصاب بني إسرائيل برء، فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن إذا اشتد غضبي عليكم لن تزدادوا مني إلا بعدا ".

    فتنبهوا لأنفسكم أيها الناس وانظروا في مكاسبكم، ومآكلكم، ومشاربكم، وما تغذون به أجسامكم، ليستجيب الله دعاءكم وتضرعكم.

    ومن موانع قبول الدعاء عدم الإخلاص فيه لله، لأن الله تعالى يقول: فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ [سورة غافر:14]، وقال تعالى: فلا تدعوا مع الله أحدا [سورة الجن:18]. فالذين يدعون معه غيره من الأصنام وأصحاب القبور والأضرحة والأولياء والصالحين، كما يفعل عباد القبور اليوم من الاستغاثة بالأموات، هؤلاء لا يستجيب الله دعاءهم إذا دعوا فهذا قد ابتعد عن الله وقطع الصلة بينه وبينه، فهو حريٌّ إذا وقع في شدة، ودعا أن لا يستجاب له، وفي الحديث أن النبي قال: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))[5] يعني أن العبد إذا اتقى الله، وحفظ حدوده، ورعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه ويبن ربه معرفة خاصة، فيعرفه ربه في الشدة ويراعي له تعرفه إليه بالرخاء فينجيه من الشدائد وفي الحديث: ((وما تقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) رواه البخاري[6].

    فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته، كما قال تعالى عن نبيه يونس عليه الصلاة والسلام لما التقمه الحوت : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [سورة الصافات: 144]. أي لولا ما تقدم له من العمل الصالح في الرخاء وقيل: لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [سورة الصافات:144]. أي لصار له بطن الحوت قبرا إلى يوم القيامة، قال بعض السلف: " اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله فلما وقع في بطن الحوت، قال الله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [سورة الصافات :144]. وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت [يونس :90]. فقال لأنهم لم يخلصوا، وكذلك الذين يتوسلون في دعائهم بالأموات، فيقولون نسألك بفلان، أو بجاهه، هؤلاء لا يستجاب لهم دعاء عند الله، لأن دعاءهم مبتدع غير مشروع، فالله لم يشرع لنا الدعوات بواسطة أحد ولا بجاهه، وإنما أمرنا أن ندعو مباشرة من غير واسطة أحد، قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [ [سورة البقرة:186]، وقال تعالى :]وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [سورة غافر:60]. فاحذروا من الأدعية الشركية والأدعية المبتدعة التي تروج اليوم .

    4. ومن موانع قبول الدعاء أن يدعو الإنسان وقلبه غافل، فقد روى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ، عن النبي قال: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه ))[7].

    5. ومن موانع قبول الدعاء ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن حذيفة بن اليمان عن النبي قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث عليكم عذابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)) رواه الترمذي[8]، وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله : ((الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض)) [9] وقال : ((الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء )). رواه الحاكم أيضا وهو حسن[10].

    فاتقوا الله عباد الله وألحوا على ربكم في الدعاء فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((إن الله يحب الملحين في الدعاء)) [11].

    فالدعاء هو أعظم أنواع العبادة ،لأنه يدل على التواضع لله، والافتقار إلى الله، ولين القلب والرغبة فيما عنده، والخوف منه تعالى، وترك الدعاء يدل على الكبر وقسوة القلب والإعراض عن الله، وهو سبب دخول النار، يقول الله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ،[غافر 60] كما أن دعاء الله سبب لدخول الجنة قال تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ، فادعوا الله أيها المسلمون وأكثروا من دعائه مخلصين له الدين، وإن الدعاء أكبر ما يكون في أيام الفتن والمحن، التي يفتن فيها عباد الله في دينهم، وعقيدتهم، وعلمائهم، ودعاتهم .

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدينولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين .[الأعراف55/56]

    بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا …



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] صحيح، سنن أبي داود (1479)، سنن الترمذي (3247) وقال: صحيح، مستدرك الحاكم (1/491) وصححه ووافقه الذهبي.

    [2] صحيح مسلم (2577).

    [3] المصدر السابق (1015).

    [4] قال الهيثمي في المجمع (10/291): رواه الطبراني في الصغير، وفيه من لم أعرفهم. قلت: لم أجده في الصغير وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1071).

    [5] أخرجه أحمد (1/307)، قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (2804): إسناده صحيح.

    [6] صحيح البخاري (6502).

    [7]مستدرك الحاكم (1/493) وقال: حديث مستقيم. وتعقبه الذهبي فقال: صالح متروك. وذكر الألباني أن للحديث شاهدًا يتقوى به، وبهذا فهو حسن. السلسلة الصحيحة (594). وأخرجه الترمذي أيضًا في سننه (3479) وقال: غريب

    [8] إسناده حسن، سنن الترمذي (2169).

    [9] المستدرك (1/ 492) وصححه ولم يتعقبه الذهبي ! وفي إسناده محمد بن الحسن التل. ضعفه الذهبي نفسه في ميزان الاعتدال (3/512) وذكر أن الحديث من مناكيره، وفيه انقطاع. على أن محمد بن الحسن هذا ليس محمد بن الحسن التل، وإنما هو محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، وقد ذكره الذهبي في الميزان (3/514)، وذكر في ترجمته هذا الحديث، ونقل عن يحيى بن معين تضعيف محمد هذا. وانظر السلسلة الضعيفة (179).

    [10] المستدرك (1/492)، وحسنه الألباني لغيره. صحيح الترغيب (1634).

    [11] أخرجه الطبراني في "الدعاء" رقم (20)، قال المحقق: إسناده ضعيف من أجل تدليس بقية بن الوليد. وكذا قال الحافظ في الفتح (11/95): رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة بقية. ولذا ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (637).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

  15. #15
    أحمد سعد الدين غير متصل قال صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
    أحمد سعد الدين is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    مصر
    العمر
    69
    المشاركات
    2,300
    معدل تقييم المستوى
    14

    افتراضي

    صالح آل طالب
    مكة المكرمة
    المسجد الحرام




    ملخص الخطبة

    1- استمرار الغفلة في الأمة. 2- النذُر الإلهية. 3- حال الأمة المخزي. 4- فضل الإيمان بالله والثقة به. 5- الدعاء باب الفرَج. 6- فضل الدعاء. 7- الحثّ على الدعاء. 8- من شروط الدعاء وآدابه. 9- تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة. 10- تحرّي أوقات الإجابة والدعوات الجامعة. 11- الحفاظ على وحدة الصف واجتماع الكلمة.


    الخطبة الأولى


    أمّا بعد: فوصيّة الله للأوّلين والآخرين تقواه، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ [النساء:131].

    أيّها المسلمون، اتّقوا الله تعالى وراقِبوه، وأطيعوا أمرَه ولا تَعصوه، فإن المعاصيَ والذنوبَ جِراحات، ورُبَّ جرحٍ وقع في مقتَل.

    واعلم ـ غفر الله لي ولك ـ أنَّ لك ربًّا أنتَ مُلاقيه، وبيتاً أنتَ ساكنُه، فاسترضِ ربَّك قبل لقائِه، واعمُر بيتَك قبلَ انتقالِك إليه.

    وبعد: أمَّةَ الإسلام، أمَّةَ الحِكمة والقرآن، أمَّة الهدي الإلهي والسَّنَن المحمَّدي، أمَّتِي، لا زِلنا نتراءَى صلاحَك فنجدُك بعدُ لم ترشُدِي، ويمُدّ إليكِ محبّوكِ حبالَ النجاةِ فلا تتمسّكين، ويُضيء لكِ ناصحوك الشموعَ فلا تُبصِرين ولا تتبصَّرين، تُمسِينَ وتُصبِحِين على فواجعَ وحروبٍ ومواجع وكروبٍ ثمّ لا تتوبين ولا تتذكَّرين.

    أيّها المسلمون، أيّها الذين هم بربّهم يؤمنون ويثِقون، إنّما حلَّ ويحِلّ بالأمّة من رزايا وبلايا لهي سياطٌ تسوقُهم إلى حضيرة الإيمان والتوحيد، وتُسلِمهم إلى التعلّق بالعزيز الحميد، وتدفَع بهم إلى التّوبة وخوفِ يومِ الوعيد، أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126]، ولكنّها الغفلة.

    لقد أثّرتِ المادّة على كثيرٍ من النفوس، وطغت على حياتِها، وضاق أفقُها فأصبَحت لا تُبصِر إلا ما تَرى أحداقُها، وأظلمَت قلوبٌ فأضحَت لا تستوعِب إلا مَا يلامِس أبدانَها. وحين ابتعَد الإنسان عن نورِ الوحي وتاه بصرُه عن التطلّع للسّمَاء وضعُفتِ الصلةُ بالله عندَ ذلك استوحَشتِ النفوس، وقستِ القلوب، وطغَت موجاتٌ من الهلَع والاضطِراب، وظهَر الخوفُ من المستقبَل وعلى المستقبَل، وبدتِ الحَيرَة، وما ذاك إلاّ لذهولِهم عن سببِ حياة القلوبِ وصلاح النفوس، ونسُوا أنَّ فوق تدبيرهم لله تدبيرًا، وله من وراءِ أسبابهم أمرًا وتأثيرًا، والله تعالى خالقُ النفوسِ وعالمٌ بأسباب زكائِها، ومبدعُ القلوبِ وشارعٌ أسبابَ حياتِها، وليستِ الحياة بقوّة الجسمِ أو التزوّد من عرَض الدنيا، بل الحياة حياةُ القلوب، أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا [الأنعام:122].

    لذا كان الإيمانُ بالله سببَ الأمنِ والأمان، الإيمان يجعل الخوفَ من الله وحدَه والأمان ممَّا سواه، ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ [الأحزاب:39]. ولهذا أيضاً كانتِ الصدور الجوفاءُ من الإيمان البعيدة من الله مليئةً بالخوفِ والهلَع والجزَع والاضطراب والحَيرة.

    أيّها المسلمون، وإذا امتلأ القلبُ إيمانًا عرَف صاحبُه ملجَأه ودواءَه ومفزعَه وشِفاءه. إنَّ الحياة قد طُبعَت على كدَر، وقلّما يسلَم الإنسان من خطَر، مصائبُ وأمراض، حوادثُ وأعرَاض، أحزَان وحروبٌ وفتَن، ظلمٌ وبغي، همُوم وغموم، فقرٌ وحَيرة، أسبابٌ تقصم الظهور وتنحِت الصّدور، إلا أنَّ الله تعالى لطيفٌ بعباده رحيم بخلقِه، فتح لهم بابًا يتنفّسون منه الرّحمة، ويزيلون به كدَر الحياة، وتنزِل به على قلوبِهم السكينةُ والطمأنينة، ألا وهو باب الدّعاء.

    دعاءُ اللهِ وسؤاله والتضرعُ إليه والانطراح بين يدَيه وتفويض الأمر إليه أمانُ الخائفين وملجَأ المضطرِّين وسلوة المناجين، من الذي لاذَ بجنابِه فما عزَّ؟! ومن الذي فوّضَ أمرَه إليه فما رشد؟! ((الدعاء هو العبادة))[1]، وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60].

    كرمُ الباري عظيم، وإحسانُه سبحانَه عميم، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. والدّعاء أكرمُ شيءٍ على الله، وهو طريقٌ إلى الصّبر في سبيل الله، وصدقٌ في اللّجَأ وتفويض الأمر إليه والتوكّل عليه، وبعدٌ عن العجزِ والكسل، وتنعُّمٌ بلذّة المناجاة، فيزدادُ إيمان الداعي ويقوى يقينُه، ويبقى متّصلاً بربّه، وهو عبادةٌ سهلة ميسورَة، تصلح أصلاً في كلِّ زمان ومكانٍ وحال.

    الدعاءُ رافع للبلاء دافعٌ للشقاء، قال إبراهيم عليه السلام كما في محكَم التنزيل: وَأَدْعُو رَبّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا [مريم:48]، وقال الله سبحانه عن نبيِّه زكريّا عليه السلام: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً [مريم:4]. فكم من بليّة ومحنةٍ رفعها الله بالدّعاء، ومصيبة كشفَها الله بالدّعاء، وكم من ذَنب ومعصيةٍ غفرَها الله بالدّعاء، وكم من رحمة ونعمةٍ ظاهرة وباطنةٍ استُجلِبت بسبَب الدعاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((لا يُغني حذَر من قدَر، والدعاءُ ينفَع ممّا نزل وممّا لم ينزِل، وإنَّ البلاء لينزل فيلقاه الدّعاء، فيعْتلِجان إلى يومِ القيامة)) رواه الحاكم والطبراني بسند حسن[2]، وله شاهد عند أحمد.

    الدعاء قربةُ الأنبياء، إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ [الأنبياء:90]، لا يهلِك مع الدّعاءِ أحد، ولا يخيب من للهِ رجا وقصَد، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحِم إلا أعطاه الله بِها إحدى ثلاث: إمّا أن يعجِّل له دعوتَه، وإمّا أن يدَّخر له، وإمّا أن يكشِف عنه من السوء بمثلَها))، قالوا: إذا نُكثر؟! قال: ((اللهُ أكثَر)) رواه الإمام أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي[3].

    ولمَّا دعا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى للنار: كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ [الأنبياء:69]، وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء:76]، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ [الأنبياء:83، 84]، ولمّا نادى ذو النّون في الظلمات جاء الجوابُ من فوقِ السموات فقال الله جل في علاه: فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88]، وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء:89، 90]، وقد ذكَر الله تعالى رحمتَه بزكريّا إذ نادى ربَّه نداء خفياً، فلم يكن بدعاءِ ربّه شقياً، وفي كتابِ الله تعالى أكثرُ من ثلاثمائة آية عن الدعاء.

    فيَا من تكالبَت عليه الهموم والغموم، وضاقت عليه الأرضُ بما رحُبت، أينَ أنت من سؤال الله، أينَ أنتَ من سؤال الله ورجائه؟! ويا مَن أرهقته الأمراضُ وأغرقته الديون، أين أنتَ مِن دعاءِ الغنيّ الكريم؟! ويا مَن أثقلته المعاصي والذنوب، أينَ أنتَ مِن غافرِ الذنب وقابل التّوب؟! ويا مَن غشيَه الخوف والقلق، تطلّعْ إلى السّماء فعند الله الفرَج.

    هذا هو الدّعاء، فأين السائلون؟! وهذا هو الطريق، فأين السالكون؟!

    أمّة الإسلام، لقد مرّ على الأمّة أزمات ومضائقُ وابتلاآت ومآزق، فكان اللجَأ إلى الله هو سبيل النجاة، والله تعالى يبتلي الناسَ لترِقَّ قلوبهم ويلجؤوا إليه بصدقٍ وتضرّع، قال الله تعالى لرسوله: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:42، 43]. ولقد كان بعض المشركين الأوائل إذا نابَتهم النوائبُ واشتدَّ عليهم الخطب عرفوا أيَّ بابٍ يطرقون، وأين يلجؤون ويُهرَعون، فدعَوا اللهَ مخلِصين له الدّين، وهذه أمّة الإسلام اليومَ أحوجُ ما تكون إلى ربِّها ولطفِه ونصره وعطفِه، فما الذي تغيَّر من حالِها؟! أينَ الرجوع إلى الله؟! أين سؤالُه ودعاؤه وقصده ورجاؤه؟!

    أيّها المسلمون، إنَّ للدعاء شروطًا وآدابًا وأحكاما وأسبابًا، ينبغي للمسلم أن يتعلَّمها تأدُّباً مع ربِّه، وتقرّباً لإجابة دعائه وطلبِه، ومنها توحيدُ الله تعالى في الدّعاء في القصدِ والطلب والوسيلة، وهذا بابٌ عظيم جعل الدعاءَ هو العبادة، فكان واجباً أن يُخلَص لله تعالى، وأن يتوجّه العبدُ إليه سبحانَه بالدعاء والمسألة والطّلب والاستغاثة والاستعانَة والاستعاذة والاستِجارة والاستسقاءِ والاستنجادِ والاستغفار وطلَب النُّصرة وتحقيقِ المرغوبِ ودَفع المَرهوب وغُفران الذنوب وهداية القلوب وسدِّ الفاقات وسؤال قَضاء الحاجات ونَيل المَسرَّات وتفريج الكرباتِ وإغاثَة اللّهفات وإزالةِ الغمّة وشفاء المريض وأَمن الطريق والتثبيتِ عند السؤال والأمن يومَ الوعيد والنجاةِ من العذاب الشديد، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الدعاء والمسألةِ ممَّا لا يقدر عليه إلا الله تعالى جلباً لنفعٍ أو دَفعاً لضرّ، وهذا من خالِص حقّ الله سبحانه على العَبد، وهو توحيدٌ من العبد لربّه في الدّعاء؛ لأنَّ الله سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وهو وحدَه الذي يسمَع دعاءَ الداعين أينما كانوا، وبأيِّ لغةٍ تكلّموا، لا يشغله سمعٌ عن سمع، ولا يتبرّم بكثرةِ الداعين وإلحاحِ الملحّين، هو سبحانه الذي لا تشتبِه عليه الأصوات، ولا تختلِف عليه الحاجات، يعلمُ ما في الضمائر وما تنطوِي عليه السرائر، وهو سبحانَه الذي ينفَع ويضرّ على الحقيقة دون أحدٍ من الخلائق.

    لِذا كان من الشرك دعاءُ الأموات والقبور والملائكة والجنّ وغيرهم، وسواء كان باسم الشفاعة أو الوسَاطة أو الوجاهة أو القُربة، بل أخبر الله تعالى أنَّ الدعاءَ هو الدين فقال جلّ شأنه: هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ [غافر:65]، والآيات في الباب كثيرة. ومن تأمّل دعاءَ الأنبياء وجدَه بالتوحيد كدعاءِ الكرب الذي دعا به يونسُ عليه السلام، فإنَّه لم يتضمّن طلباً في الظاهر، وإنما كان توحيدًا خالصاً، فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ [الأنبياء:87]، فاستجاب الله تعالى له بالتوحيد.

    أيّها المسلمون، وممَّا ينبغي مراعاتُه في الدعاء بعدَ الإخلاص والمتابعة التضرّعُ والابتهال إلى الله تعالى والتملّق إليه بأسمائِه الحسنى وصفاته العلا، وَللَّهِ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، والاستغفار والإقرارُ بالذنب والاعتراف بالنّعم واستفتاحُ الدّعاء بالحمد والثناء على الله بما هو أهلُه والصلاة والسلامُ على خاتَم أنبيائه ورسله محمّد ، وأن لا يدعوَ بإثمٍ ولا قطيعة رحِم، ولا يعتديَ في الدّعاء، ولا يستعجِل، ولا يستبطئ الإجابة، ولا يقنُط، فإنَّ العبدَ يدعو ربًّا كريماً، ويكون الداعي مؤمناً موقناً راجياً مستقبلَ القبلة متطهّراً في هيئة حسنةٍ توقيراً لله تعالى، رافعاً يدَيه لله سبحانه جازماً في المسألة عازِماً ملِحًّا في الدّعاء متحيِّناً أوقاتَ الإجابة متحرّياً الأدعيةَ النبويّة متحَلِّلاً من المظالم مقدِّماً بين يدَي نجواه صدقة، فإنَّ مثل هذا لا يكاد يُردّ أبَداً، وإن تخلّفَ أثرُ الدعاء فليتَفقَّد الداعي نفسَه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يا أيّها الناس، إنَّ الله طيِّب لا يقبَل إلا طيّباً، وإنَّ اللهَ أمَر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وقال: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ [البقرة:172]))، ثم ذكر الرجلَ يطيل السفَر، أشعَث أغبر يمدّ يدَيه إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغذِّي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! رواه مسلم[4].

    واستمِعوا ـ رحمكم الله ـ لهذا النّداء الإلهيّ من ربِّكم الذي يناديكم بقوله: ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 56].





    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أخرجه أحمد (4/267)، وأبو داود في الصلاة، باب: الدعاء (1479)، والترمذي في تفسير القرآن (2969)، وابن ماجه في الدعاء، باب: فضل الدعاء (3828) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وجوّد إسناده ابن حجر في الفتح (1/49)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1312).

    [2] أخرجه البزار (2165ـ كشف الأستار)، والطبراني في الأوسط (2498) من طريق زكريا بن منظور حدثني عطاف، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قال البزار: "لا نعلمه عن النبي إلا بهذا الإسناد"، وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا عطاف، ولا عن عطاف إلا زكريا، تفرد به الحجبي"، وصححه الحاكم (1813)، وتعقبه الذهبي بقوله: "زكريا بن منظور مجمع على ضعفه"، قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1411): "لا يصح"، وضعفه الحافظ في التلخيص (4/121)، وقال الهيثمي في المجمع (10/146): "فيه زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1014).

    [3] مسند أحمد (3/18)، والأدب المفرد (710). وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة (6/22)، وعبد بن حميد (937)، وأبو يعلى (1019)، وأبو نعيم في الحلية (6/311)، وابن عبد البر في التمهيد (5/344)، وصححه الحاكم (1816)، وجوده المنذري في الترغيب والترهيب (2/314)، وقال الهيثمي في المجمع (10/148-149): "رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1633).

    [4] أخرجه مسلم في الزكاة (1015).






    الخطبة الثانية


    الحمد لله الواحِد القهّار، المتصرِّف في خلقه بما يشاء ويختَار، يقبضُ ويبسط، ويرفع ويخفِض، يجعل بعضَ خلقه لبعضٍ فتنة، وله في كلِّ تصريفٍ حكمَة، وفي كلِّ محنَة على المؤمن مِنحَة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، صلوات ربّي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: أيّها المسلمون، مَن عامل الله تعالى بالتّقوى حالَ رخائِه عامله الله باللّطف والإعانة في حالِ شدَّته كما قال تعالى عن يونس عليه السلام لمَّا التقمَه الحوت: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143، 144]، أي: لولا ما تقدّم مِن العملِ الصّالح لبقي في بطنِ الحوتِ إلى يوم القيامة.

    فاتَّقوا الله عبادَ الله، وادعُوه وألحّوا عليه في الطلَب، سيما في الأوقاتِ الحرِيَّة بالإجابة كيومِ الجمعة والثلُث الأخير من الليل وبينَ الأذان والإقامة وفي السّجود وغير ذلك ممَّا دلّت عليه السنَّة.

    وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسولَ الله كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات السّبع وربّ العرشِ الكريم)) رواه البخاري ومسلم[1].

    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ما أصاب أحداً قطّ همّ ولا حزنٌ فقال: اللهمَ إنّي عبدك ابنُ عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمّيت به نفسَك، أو علَّمتَه أحداً من خلقك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علم الغيبِ عندك، أن تجعلَ القرآنَ العظيم ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجلاءَ حزني وذهابَ همي، إلا أذهبَ الله عزّ وجلّ همَّه وحزنه، وأبدله مكانَه فرَحاً))، فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلّمُها؟ فقال: ((بلى، ينبغِي لمَن سمعَها أن يتعلّمَها)) رواه أحمد والحاكم وابن حبان والطبرانيّ بسند صحيح[2].

    فعليكم بالدّعاء والصّبر على البلاءِ والعودةِ إلى ربّ الأرض والسماء، مع اليقين [بقدَر] الله، وأنَّ الله تعالى لا يظلِم مثقالَ ذرة، وأنَّ ما يصيب الإنسانَ فبسبَب نفسه.

    ثمَّ اعلموا ـ رعاكم الله ـ أنَّ الأمّة أحوجُ ما تكون إلى وحدة الصفّ ونبذِ الخلافات والاجتماع على المصير الواحِد والابتعاد [عن] الاجتهادات والتصرّفات الفرديّة عن جماعة المسلمين، فإنَّ الاختلاف والتنازعَ سببٌ للفشل كما قال الله عز وجل: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ [الأنفال:45، 46]، فقد أمرنا الله تعالى بطاعةِ الله ورسوله وعدمِ التنازع، وهو إشارةٌ إلى طاعة وليِّ الأمر، وإن حصل التنازع فالنتيجة الفشلُ وذهاب الريح، أي: ذهابُ القوة، وقيل: ذهابُ مهابة العدوّ لكم، وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ، فالصبر واجبٌ مأمور به.

    إنَّ الواجبَ على المسلمين اتباعُ توجيهات الكتاب والسنة، والواجبُ على العلماء والمسلمين توجيه الناسِ وإرشادُهم لما ينفعهم ويكشِف كربتَهم ويصلح حالهم، بتذكيرهم بالعودَة إلى الله، ومحاسبَة النفس واللجوءِ إلى الله ودعائه والإقبال عليه والطمأنينةِ به والاجتماع وعدَم الفرقة والنّزاع والائتلاف وتَرك الخلاف والإرجاف وردّ الأمور إلى ولاتِها والحذَر من إشاعة البلبَلة والقلاقِل ممّا يهدِّد مصالحَ الجماعة، ويؤدّي لاضطراب الأحوالِ وانتشار الخوف وقتل المعنويَّات، فإنَّ خلافَ ذلك إثم واعتداءٌ على الأمة، قال الله تعالى محذّراً: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    ثمّ اعلموا أنَّ الله تعالى أمرَكم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهمّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أخرجه البخاري في الدعوات (6346)، ومسلم في الذكر (2730).

    [2] أخرجه أحمد (1/398، 452)، والبزار (1994)، وأبو يعلى (5297)، والطبراني في الكبير (10/169)، والحاكم (1877)، وصححه ابن حبان (972)، وهو في السلسلة الصحيحة (199).


    ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )

    رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

    أحمد سعد الدين

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك