المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دعوة إلى تفسير آية من القرآن


أحمد سعد الدين
01-15-2004, 09:29 PM
دعوة إلى تفسير آية من القرآن


الإخوة القراء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ونفع بكم المسلمين.‏

معظمنا لا يملك جميع أمهات كتب التفاسير (على مذهب أهل السنة ‏والجماعة)، ‏
لذا أدعوكم بالمشاركة فى نقل ما فى كتب التفاسير المتوفرة لديكم لكل آية ‏على حدة وفى صفحة واحدة أو صفحات متتالية لكل آية.‏
وللمشارك اختيار ما شاء من آيات ، وله استكمال تفاسير آية لمشارك ‏آخر من كتب التفاسير التى لم ترد فى المشاركة.‏

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.‏
أخوكم: أحمد سعد الدين - القاهرة‏


‏ ‏

أحمد سعد الدين
01-16-2004, 04:25 AM
اقتراح


الأخ الفاضل المشرف العام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كان فى ذهنى عندما كتبت دعوة الى تفسير آية من القرآن ، أن تكون فى ‏نفس الصفحة الرئيسية لهذا الموضوع، معتقدا أن ذلك يسهل على ‏المشارك البحث عن الآية التى سيضيف اليها تفاسير من كتب أخرى.‏
ولكن بدت لى إشكالية تداخل التفاسير للآية الواحدة بين الآيات المختلفة ‏مما يتعارض مع هدفى الأساسى وهو تجميع التفاسير المتنوعة للآية ‏الواحدة فى صفحات متتالية ليسهل للباحث والمهتم بالمعرفة الرجوع ‏اليها.‏
لذا أقترح أن تفتح صفحة لكل آية ويشارك الإخوة فى تفسيرها من كتب ‏التفاسير التى لديهم دون تكرار المصدر، فى نفس صفحة الآية.‏
‏( وهذا بالطبع يتطلب من المشارك ذكر المصدر حتى لايتكرر من مشارك ‏آخر).‏
ولتسهيل البحث عن الآيات ، يمكن فتح ملف مثبت يحتوى على روابط ‏الآيات، فإذا أراد المشارك نشر تفاسير أخرى لنفس الآية، عليه فتح ‏الرابط مباشرة للإطلاع على ما تم نشره من تفاسير حتى لا تتكرر، ‏
وإذا أراد نشر تفاسير لآية غير موجودة فعليه فتح صفحة جديدة.‏
وكلما أضيفت آية جديدة، يُضاف رابطها بصفحة الملف المثبت.‏
وأرى أن هذا سيسهل مهمة المشارك، والباحث.‏

ولكم الرأى والقرار قبل البدء فى النشر.‏

أخوكم: أحمد سعد الدين - القاهرة‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:04 PM
ابن كثير

‏(بسم الله الرحمن الرحيم) افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على ‏أنها بعض آية من سورة النمل ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل ‏سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من كل سورة ‏أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية ‏على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً وذلك مبسوط في غير هذا الموضع, وفي ‏سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله ‏الرحمن الرحيم} وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه ‏أيضاً وروي مرسلاً عن سعيد بن جبير وفي صحيح ابن خزيمة عن أم ‏سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في ‏أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي ‏وفيه ضعف عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عنها, وروى له الدارقطني ‏متابعاً عن أبي هريرة مرفوعاً وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما, ‏وممن حكى عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة ابن عباس وابن عمر وابن ‏الزبير وأبو هريرة وعلي ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ‏ومكحول والزهري وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل ‏في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله ‏وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليست من آية من الفاتحة ولا من غيرها ‏من السور وقال الشافعي في قوله في بعض طرق مذهبه هي آية من الفاتحة ‏وليس من غيرها وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان. ‏وقال داود هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها, وهذا رواية عن الإمام ‏أحمد بن حنبل وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي, وهما من ‏أكابر أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله. هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم ‏لا.‏
‎ ‎فأما الجهر بها فمفرع على هذا, فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر ‏بها وكذا من قال إنها آية من أولها, وأما من قال بأنها من أوائل السور ‏فاختلفوا فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة ‏وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً ‏فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية وحكاه ‏ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة ‏وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهو غريب, ومن التابعين عن سعيد بن ‏جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحسن وابنه محمد وسعيد ‏بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وأبي ‏بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر ‏وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمرو وزيد بن ‏أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي ‏الشعثاء ومكحول وعبد الله بن معقل بن مقرن زاد البيهقي وعبد الله بن ‏صفوان ومحمد بن الحنفية زاد ابن عبد البر وعمر بن دينار والحجة في ‏ذلك أنها بعض الفاتحة فيجهر بها كسائر أبعاضها وأيضاً فقد روى النسائي ‏في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في مستدركه عن ‏أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسلمة وقال بعد أن فرغ: إني ‏لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الدارقطني ‏والخطيب والبيهقي وغيرهم وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم ‏قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن ‏عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن ‏الرحيم ثم قال صحيح, وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سئل عن ‏قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت قراءته مدّاً ثم قرأ ببسم الله ‏الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وفي مسند الإمام ‏أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة ‏رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: ‏‏{بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم * مالك ‏يوم الدين} وقال الدارقطني إسناده صحيح. وروى الإمام أبو عبد الله ‏الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس أن معاوية صلى بالمدينة فترك ‏البسملة فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك فلما صلى المرة الثانية ‏بسمل. وفي هذه الأحاديث والاَثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج ‏لهذا القول عما عداها. فأما المعارضات والروايات الغربية وتطريقها ‏وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر وذهب آخرون أنه لا يجهر ‏بالبسملة في الصلاة وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل ‏وطوائف من سلف التابعين والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد ‏بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهراً ولا سراً ‏واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال كان رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب ‏العالمين وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي ‏صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله ‏رب العالمين, ولمسلم ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ‏ولا في آخرها, ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. فهذه ‏مآخذ الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة وهي قريبة لأنهم أجمعوا على ‏صحة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة.‏

فصل في فضلها
‎ ‎قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه ‏الله في تفسيره حدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا زيد بن المبارك ‏الصنعاني حدثنا سلام بن وهب الجندي حدثنا أبي عن طاوس عن ابن ‏عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {بسم ‏الله الرحمن الرحيم} ؟ فقال: «هو اسم من أسماء الله وما بينه وبين اسم الله ‏الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب» وهكذا رواه أبو بكر ‏بن مردويه عن سليمان بن أحمد عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك ‏به, وقد روى الحافظ بن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش عن ‏إسماعيل بن يحيى عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: «إن عيسى بن مريم عليه السلام أسلمته أمه إلى ‏الكتّاب ليعلمه, فقال له المعلم: اكتب فقال, ما أكتب ؟ قال بسم الله, قال له ‏عيسى: وما بسم الله ؟ قال المعلم, ما أدري, قال له عيسى: الباء بهاء الله, ‏والسين سناؤه, والميم مملكته, والله إله الاَلهة, والرحمن رحمن الدنيا ‏والاَخرة, والرحيم رحيم الاَخرة» وقد رواه ابن جرير من حديث ابراهيم بن ‏العلاء الملقب زبرِيق عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ‏ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر عن عطية عن أبي سعيد ‏عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره, وهذا غريب جداً, وقد يكون ‏صحيحاً إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد يكون من ‏الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم. وقد روى جويبر عن الضحاك ‏نحوه من قبله, وقد روى ابن مردويه من حديث يزيد بن خالد عن سليمان ‏بن بريدة وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت علي آية لم تنزل على نبي ‏غير سليمان بن دواد وغيري وهي {بسم الله الرحمن الرحيم}, وروي ‏بإسناده عن عبد الكريم بن المعافى بن عمران عن أبيه عن عمر بن ذر عن ‏عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل {بسم الله الرحمن ‏الرحيم} هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح, وهاج البحر وأصغت ‏البهائم بآذانها, ورجمت الشياطين من السماء, وحلف الله تعالى بعزته ‏وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه. وقال وكيع عن الأعمش ‏عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة ‏عشر فليقرا {بسم الله الرحمن الرحيم} فيجعل الله له من كل حرف منها ‏جنة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي ووجهه ابن عطية ونصره ‏بحديث «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها» لقول الرجل ربنا ولك ‏الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفاً وغير ‏ذلك. وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا ‏شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقلت تعس الشيطان فقال ‏النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقل تعس الشيطان, فإنك إذا قلت تعس ‏الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته, وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير ‏مثل الذباب» هكذا وقع في رواية الإمام أحمد, وقد روى النسائي في اليوم ‏والليلة وابن مردويه في تفيسره من حديث خالد الحذاء عن أبي تميمة وهو ‏الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه قال: كنت رديف النبي ‏صلى الله عليه وسلم فذكره وقال: «لا تقل هكذا فإنه يتعاظم حتى يكون ‏كالبيت, ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة» فهذا من تأثير ‏بركة بسم الله, ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول, فتستحب في أول ‏الخطبة لما جاء «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» ‏وتستحب البسملة عند دخول الخلاء لما ورد من الحديث في ذلك وتستحب ‏في أول الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن من رواية أبي ‏هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد مرفوعاً «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ‏عليه» وهو حديث حسن ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا ومنهم من ‏قال بوجوبها مطلقاً وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة, ‏وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقاً في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في ‏موضعه إن شاء الله, وقد ذكره الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث ‏منها عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتيت أهلك ‏فسم الله فإنه إن وجد لك ولد كتب بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات» وهذا ‏لا أصل له ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها, وهكذا ‏تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: «قل بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» ‏ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه وكذلك تستحب عند الجماع لما في ‏الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن ‏أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب ‏الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً».‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:05 PM
‎ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في ‏قولك بسم الله هل هو اسم أو فعل متقاربان, وكل قد ورد به القرآن, أما من ‏قدره بسم تقديره بسم الله ابتدائي فلقوله تعالى: {وقال اركبوا فيهم بسم الله ‏مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} ومن قدره‎ ‎بالفعل أمراً أو خبراً ‏نحو أبدأ بسم الله او ابتدأت باسم الله فلقوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي ‏خلق} وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بد له من مصدر فلك أن تقدر الفعل ‏ومصدره وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قياماً أو قعوداً أو أكلاً ‏أو شراباً أو قراءة أو وضوءاً أو صلاة فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع ‏في ذلك كله تبركاً وتيمناً واستعانة على الإتمام والتقبل والله أعلم, ولهذا ‏روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن ‏الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد صلى الله ‏عليه وسلم قال: «يا محمد قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ‏ثم قال: قل {بسم الله الرحمن الرحيم} قال: قال له جبريل بسم الله يا محمد ‏يقول اقرأ بذكر الله ربك وقم واقعد بذكر الله تعالى» لفظ ابن جرير.‏
‎ ‎وأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها ‏أن الاسم هو المسمى, وهو قول أبي عبيدة وسيبويه, واختاره الباقلاني وابن ‏فورك, وقال الرازي وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري في ‏مقدمات تفسيره قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى ‏وغير نفس التسمية, وقالت المعتزلة الاسم غير المسمى ونفس التسمية, ‏والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية, ثم نقول إن كان ‏المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة, فالعلم ‏الضروري حاصل أنه غير المسمى وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى, ‏فهذا يكون من باب الإيضاح الواضحات وهوعبث, فثبت أن الخوض في ‏هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث, ثم شرع يستدل على ‏مغايرة الاسم للمسمى, بأنه قد يكون الاسم موجوداً والمسمى مفقوداً كلفظة ‏المعدوم وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة وقد يكون الاسم ‏واحداً والمسميات متعددة المشترك وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى ‏وأيضاً فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة أو واجبة ‏بذاتها وأيضاً فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر ‏النار أو برد الثلج ونحو ذلك ولا يقوله عاقل وأيضاً فقد قال الله تعالى: {ولله ‏الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة ‏وتسعين اسماً» فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى وأيضاً ‏فقوله: {ولله الأسماء} أضافها إليه كما قال: {فسبح باسم ربك العظيم} ‏ونحو ذلك فالإضافة تقتضي المغايرة وقوله تعالى: {فادعوه بها} أي ‏فادعوا الله بأسمائه وذلك دليل على أنها غيره واحتج من قال الاسم هو ‏المسمى بقوله تعالى: {تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام} والمتبارك هو ‏الله تعالى والجواب أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدسة, وأيضاً فإذا قال ‏الرجل زينب طالق يعني امرأته طلقت ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع ‏الطلاق والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: ‏وأما التسمية فإنه جعل الاسم معيناً لهذه الذات فهي غير الاسم أيضاً والله ‏أعلم.‏
‎ (‎الله) علم على الرب تبارك وتعالى يقال إنه الاسم الأعظم لأنه يوصف ‏بجميع الصفات كما قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ‏والشهادة هوالرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو هو الملك القدوس ‏السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * ‏هو الله الخالق البارى المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات ‏والأرض وهو العزيز الحكيم} فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما ‏قال تعالى: {و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال تعالى: {قل ادعوا الله ‏أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وفي الصحيحن عن ‏أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين ‏اسماً, مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» وجاء تعدادها في رواية ‏الترمذي وابن ماجه وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان وقد ذكر ‏الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم : ألف في الكتاب ‏والسنة الصحيحة, وألف في التوارة وألف في الإنجيل, وألف في الزبور ‏وألف في اللوح المحفوظ.‏
‎ ‎وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى ولهذا لا يعرف في كلام العرب له ‏اشتقاق من فعل يفعل فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق ‏له وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام ‏الحرمين والغزالي وغيره وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه ‏لازمة, قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول ياألله ولا تقول يا الرحمن, فلولا أنه ‏من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقيل إنه ‏مشتق واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:‏
‎ ‎لله در الغانيات المدّهسبحن واسترجعن من تألهي
‎ ‎فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهوالتأله من أله يأله إلاهة وتألهاً كما ‏روي عن ابن عباس أنه قرأ (ويذرك وإلاهتك) قال عبادتك أي أنه كان يعبد ‏ولا يعبد وكذا قال مجاهد وغيره وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله ‏تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض} كما قال تعالى {وهو الذي في ‏السماء إله وفي الأرض إله} ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل ‏فعال فأدخلت الاَلف واللام بدلاً من الهمزة قال سيبويه مثل الناس أصله ‏أناس وقيل أصل الكلمة لاه فدخلت الألف واللام للتنظيم وهذا اختيار ‏سيبويه: قال الشاعر: ‏
‎ ‎لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبعني ولا أنت دياني فتخزوني
‎ ‎قال القرطبي بالخاء المعجمة أي فتسوسني, وقال الكسائي والفراء أصله ‏الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية كما قال تعالى {لكنا هو ‏الله ربي} أي لكن أنا وقد قرأها كذلك الحسن, قال القرطبي: ثم قيل هو ‏مشتق من وله إذا تحير والوله ذهاب العقل: يقال رجل‎ ‎واله وامرأة ولهى ‏ومولوهة إذا أرسل في الصحراء فالله تعالى يحير أولئك والفكر في حقائق ‏صفاته فعلى هذا يكون ولاه فأبدلت الواو همزة كما قالوا في وشاح أشاح ‏ووسادة أسادة وقال الرازي وقيل إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي سكنت ‏إليه فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره, والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته لأنه ‏الكامل على الإطلاق دون غيره, قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن ‏القلوب} قال: وقيل من لاه يلوه إذا احتجب وقيل اشتقاقه من أله الفصيل ‏أولع بأمه. والمعنى أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل ‏الأحوال, قال: وقيل مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه ‏أي أجاره فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه لقوله ‏تعالى: {وهو يجير ولا يجار عليه} وهو المنعم لقوله تعالى {وما بكم من ‏نعمة فمن الله} وهو المطعم لقوله تعالى: {وهو يطعم ولا يطعم} وهو ‏الموجد لقوله تعالى {قل كل من عند الله} وقد اختار الرازي أنه اسم غير ‏مشتق ألبتة, قال وهو قول الخليل وسيبويه, وأكثر الأصوليين والفقهاء ثم ‏أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه ‏كثيرون, ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له فتقول الله الرحمن الرحيم ‏الملك القدوس, فدل أنه ليس بمشتق قال فأما قوله تعالى {العزيز الحميد ‏الله} على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان, ومنها قوله تعالى ‏‏{هل تعلم له سميّاً} وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير ‏مشتق نظر والله أعلم.‏
‎ ‎وحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي ضعفه ‏وهو حقيق بالتضعيف كما قال, وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال وأعلم ‏أن الخلائق قسمان واصلون إلى ساحل بحر المعرفة, ومحرومون قد بقوا ‏في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة, فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم, وأما ‏الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال فتاهوا في ‏ميادين الصمدية وبادوا في عرصة الفردانية, فثبت أن الخلائق كلهم والهون ‏في معرفته, وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال لأن الخلق يألهون إليه بفتح ‏اللام وكسرها لغتان, وقيل إنه مشتق من الارتفاع, فكانت العرب تقول لكل ‏شيء مرتفع لاها, وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس لاهت, وقيل إنه مشتق ‏من أله الرجل إذا تعبد وتأله إذ تنسك, وقرأ ابن عباس (ويذرك وإلاهتك) ‏وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي ‏عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف فأدغمت إحداهما في الأخرى ‏فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة وفخمت تعظيماً فقيل الله.‏
‎ (‎الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة, ورحمن ‏أشد مبالغة من رحيم وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على ‏هذا, وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن ‏عيسى عليه السلام أنه قال: والرحمن: رحمن الدنيا والاَخرة, والرحيم: ‏رحيم الاَخرة, وزعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر ‏المرحوم وقد قال {وكان بالمؤمنين رحيماً} وحكى ابن الانباري في الزاهر ‏عن المبرد أن الرحمن: اسم عبراني ليس بعربي وقال أبو إسحاق الزجاج ‏في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى الرحيم عربي والرحمن عبراني ‏فلهذا جمع بينهما قال أبو إسحاق وهذا القول مرغوب عنه وقال القرطبي: ‏والدليل على أنه مشتق ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن ‏عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «قال ‏الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها ‏وصلته ومن قطعها قطعته» قال: وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة ‏والشقاق, قال وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له, قال ‏القرطبي: ثم قيل هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيد, وقيل ليس ‏بناء فعلان كفعيل فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك رجل ‏غضبان للرجل الممتلى غضباً, وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول, ‏قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به ‏الله تعالى والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين قال الله تعالى: {وكان ‏بالمؤمنين رحيما} وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من ‏الاَخر أي أكثر رحمة, ثم حكي عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه ‏الصفة وقالوا لعله أرفق كما في الحديث «إن الله رفيق يحب الرفق في ‏الأمر كله وأنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» وقال ابن ‏المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل يغضب وهذا كما جاء ‏في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صالح الفارسي ‏الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم «من لم يسأل الله يغضب عليه» وقال بعض الشعراء:‏
‎ ‎الله يغضب ان تركت سؤالهوبنيّ آدم حين يسأل يغضب
‎ ‎وقال ابن جرير حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر ‏سمعت العزرمي يقول: الرحمن الرحيم قال: الرحمن لجميع الخلق الرحيم ‏قال بالمؤمنين قالوا ولهذا قال {ثم استوى على العرش الرحمن} وقال ‏‏{الرحمن على العرش استوى} فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع ‏خلقه برحمته وقال {وكان بالمؤمنين رحيماً} فخصهم باسمه الرحيم قالوا ‏فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع ‏خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين, لكن جاء في الدعاء المأثور رحمن الدنيا ‏والاَخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما ‏قال تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء ‏الحسنى} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من ‏دون الرحمن آلهة يعبدون} ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن ‏اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار ‏يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من ‏أهل البادية والأعراب.‏
‎ ‎وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكدّ به والمؤكد لا ‏يكون إلا أقوى من المؤكد والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو ‏من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي ‏لم يسم به أحد غيره ووصفه أولاً بالرحمن الذي منع‎ ‎من التسمية به لغيره ‏كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء ‏الحسنى} وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا ‏من كان معه في الضلالة وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره قال: { لقد ‏جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ‏رؤوف رحيم} كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى {إنّا خلقنا ‏الإنسان من نطفة أمشاح نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً} والحاصل أن من ‏أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله ‏والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن ‏لأنه أخص وأعرف من الرحيم, لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف ‏الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة ‏فهلا اكتفى به عن الرحيم, فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما ‏تسمى غيره تعالى بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك فإنه لا ‏يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى, كذا رواه ابن جرير عن عطاء. ‏ووجهه بذلك والله أعلم وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى ‏رد الله عليهم ذلك بقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله ‏الأسماء الحسنى}ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم لعلي اكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} فقالوا لا نعرف ‏الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري وفي بعض الروايات لا نعرف الرحمن ‏إلا رحمن اليمامة وقال تعالى {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ‏الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو ‏جحود وعناد وتعنت في كفرهم فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية ‏الله بالرحمن قال ابن جرير وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:‏
‎ ‎ألا ضربت تلك الفتاة هجينهاألا قضب الرحمن ربي يمينها
‎ ‎وقال سلامة بن جندب الطهوي‎:‎
‎ ‎عجلتم علينا إذ عجلنا عليكموما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
‎ ‎وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة ‏حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال الرحمن الفعلان من ‏الرحمة هو من كلام العرب وقال {الرحمن الرحيم} الرفيق الرقيق لمن ‏أحب أن يرحمه والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه, وكذلك أسماؤه ‏كلها. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن ‏عوف عن الحسن قال الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو ‏سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن ‏الحسن قال الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه تسمى به تبارك ‏وتعالى. وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ‏يقطع قراءته حرفاً حرفاً {بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد الله رب ‏العالمين} فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة ومنهم من وصلها بقوله {الحمد لله ‏رب العالمين}. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور, وحكى ‏الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة ‏فيقولون {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين} فنقلوا حركة ‏الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قُرى قول الله تعالى: {الم الله لا إله إلا ‏هو} قال ابن عطية ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت.‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:06 PM
البغوى

‏." بسم الله الرحمن الرحيم " قوله: بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها ‏مثل: من وعن، والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه، تقديره: أبدأ ‏بسم الله، أو قل: بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلباً للخفة وكثرة ‏استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف ‏معظم، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا الباء ‏وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ودوروا الميم. تعظيماً لكتاب الله تعالى ‏وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالاً على ‏سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في " اقرأ باسم ربك " ( 1- ‏العلق ) ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى ‏غير الله ولا مع غير الباء. والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال تعالى: " ‏إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى " ( 7- مريم ) أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى ‏الاسم فقال: " يا يحيى " وقال " ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها " ‏‏(40- يوسف ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات ‏وقال: " سبح اسم ربك " ( 1- الأعلى )، و" تبارك اسم ربك " ( 78-‏الرحمن ) ثم يقال للتسمية أيضاً اسم فاستعماله في التسمية أكثر من ‏المسمى ( فإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه؟ قيل هو تعليم للعباد ‏كيف يفتتحون القراءة ). واختلفوا في اشتقاقه قال المبرد في البصريين: ‏هو مشتق من السمو وهو العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، ‏وصار معناه تحته، وقال ثعلب في الكوفيين: هو من الوسم والسمة وهي ‏العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح لأنه يصغر على السمى ولو ‏كان من السمة لكان يصغر على الوسيم كما يقال في الوعد وعيد ويقال ‏في تصريفه سميت ولو كان في الوسم لقيل: وسمت. قوله تعالى: (( الله ‏‏)) قال الخليل وجماعة: هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له ‏كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو. وقال جماعة هو مشتق ثم ‏اختلفوا في اشتقاقه فقيل: من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس ‏رضي الله عنهما " ويذرك وآلهتك " ( 127- الأعراف ) أي عبادتك - ‏معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل أصله إله قال الله عز وجل: " ‏وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق " ( 91- المؤمنون ) قال ‏المبرد : هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر: ‏ألهت إليها والحوادث جمة فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، ‏ويقال: ألهت إليه، أي فزعت إليه قال الشاعر: ألهت إليها والركائب وقف ‏وقيل أصل الإله (( ولاه )) فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح واشاح، ‏اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ‏ويلجؤون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه، وقيل هو من الوله ‏وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك. قوله :"الرحمن الرحيم " قال ابن ‏عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. ‏واختلفوا فيهما منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ‏ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر ( تطميعاً ) لقلوب الراغبين. وقال ‏المبرد : هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق بينهما ‏فقال: الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص. فالرحمن بمعنى ‏الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق. والرحيم بمعنى المعافي ‏في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في ‏الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته إلى ‏الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص،ن ‏ولذلك يدعى غير الله رحيماً ولا يدعى غير الله رحمن. فالرحمن عام ‏المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، والرحمة إرادة الله ‏تعالى الخير لأهله. وقيل ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من ‏لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة (فعل). ‏واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى ‏أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها ‏للتيمن والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها ‏من الفاتحة وليست من سائر السور وأنها كتبت للفصل وذهب جماعة إلى ‏أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري و ابن ‏المبارك و الشافعي لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن. واتفقوا ‏على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأةلى عند من يعدها من الفاتحة (بسم ‏الله الرحمن الرحيم) وابتداء الآية الأخيرة (صراط الذين) ومن لم يعدها ‏من الفاتحة قال ابتداؤها (الحمد لله رب العالمين) وابتداء الآية الأخيرة ‏‏(غير المغضوب عليهم) واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها ‏كتبت في المصحف بخط القرآن، وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد ‏الكسائي أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد ‏بن يعقوب الأصم أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ‏ابن جريح قال: أخبرني أبي عن سعيد بن جبير (قال) " ولقد آتيناك سبعاً ‏من المثاني والقرآن العظيم " (87- الحجر) هي أم القرآن قال أبي ةقرأها ‏علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) الآية ‏السابعة، قال ابن عباس: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. ومن لم ‏يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي أنا ‏زاهر بن أحمد ثنا أبو عيسى اسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك ‏عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (( قمت ‏وراء أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله ‏عنهم فكلهم كان لا يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة )) ‏قال سعيد بن جبير عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم / ‏لا يعرف ختم سورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم. وعن ابن ‏مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى بسم الله الرحمن ‏الرحيم وقال الشعبي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء ‏الأمر على رسم قريش باسمك اللهم حتى نزلت " وقال اركبوا فيها بسم ‏الله مجريها " (41 - هود) فكتب بسم الله حتى نزلت " قل ادعوا الله. أو ‏ادعوا الرحمن " (110 - الاسراء) فكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى ‏نزلت " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " (30 - النمل) ‏فكتب مثلها. ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:09 PM
البيضاوى


‏. ^ بسم الله الرحمن الرحيم ^ من الفاتحة ومن كل سورة وعليه قراء مكة والكوفة ‏وفقهاؤهما وابن المبارك رحمه الله تعالى والشافعي وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام ‏وفقهاؤها ومالك والأوزاعي ولم ينص أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيه بشيء فظن أنها ليست ‏من السورة عنده وسئل محمد بن الحسن عنها فقال ما بين الدفتين كلام الله تعالى ولنا
أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال ‏فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم وقول أم سلمة رضي الله عنها قرأ ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ‏آية ومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها أم بما بعدها والإجماع على أن ما بين الدفتين
كلام الله سبحانه وتعالى والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن‎ .‎
حتى لم تكتب آمين والباء متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه مقروء ‏وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما
يطابقه ويدل عليه أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه وتقديم المعمول ههنا أوقع كما في قوله ^ ‏بسم الله مجراها ^ وقوله ^ إياك نعبد ^ لأنه أهم وأدل على الاختصاص وأدخل
في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه سبحانه وتعالى مقدم على القراءة كيف لا وقد جعل ‏آلة لها من حيث إن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعا ما لم يصدر باسمه تعالى لقوله عليه ‏الصلاة والسلام كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وقيل الباء للمصاحبة‎ .‎
والمعنى متبركا باسم الله تعالى اقرأ وهذه وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد
ليعلموا كيف يتبرك باسمه ويحمد على نعمه ويسأل من فضله وإنما كسرت ومن حق ‏الحروف المفردة أن تفتح لاختصاصها باللزوم الحرفية والجر كما كسرت لام الأمر ولام
الإضافة داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء والاسم عند أصحابنا البصريين ‏من الأسماء التي حذفت أعجازها لكثرة الاستعمال وبينت أوائلها على السكون وأدخل
عليها مبتدأ بها همزة الوصل لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن ويشهد ‏له تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت ومجيء سمى كهدى لغة فيه قال والله أسماك ‏سمى مباركا آثرك الله به إيثاركا والقلب بعيد غير مطرد واشتقاقه من السمو لأنه رفعة ‏للمسمى‎ ‎وشعار له ومن السمة عند الكوفيين وأصله وسم حذفت الواو وعوضت عنها ‏همزة الوصل ليقل إعلاله ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة علىما حذف صدره في كلامهم ‏ومن لغاته سم وسم قال
بسم الذي في كل سورة سمه والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من ‏أصوات متقطعة غير قارة ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ويتعدد تارة ويتحد أخرى ‏والمسمى لا يكون كذلك وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى ‏وقوله تعالى ^ تبارك اسم ربك ^ و ^ سبح اسم ربك ^ المراد به اللفظ لأنه كما يجب ‏تنزيه ذاته سبحانه وتعالى وصفاته عن النقائص‎ ‎يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن ‏الرفث وسوء الأدب أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام ‏عليكما وإن أريد به الصفة كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة
عنده إلى ما هو نفس المسمى وإلى ما هو غيره وإلى ما ليس هو ولا غيره وإنما قال بسم ‏الله ولم يقل بالله لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه أو للفرق بين اليمين والتيمن‎ .‎
ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط لكثرة الاستعمال وطولت الباء عوضا عنها والله ‏أصله إله فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام ولذلك قيل يا الله بالقطع إلا أنه
مختص بالمعبود بالحق والإله في الأصل لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحق واشتقاقه من ‏أله ألهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد ومنه تأله واستأله وقيل من أله إذا تحير
لأن العقول تتحير في معرفته أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن ‏بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه وآلهة غيره أجاره ‏إذ العائذ يفزع إليه وهو يجيره حقيقة أو بزعمه أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه إذ العباد ‏يولعون بالتضرع إليه في الشدائد أو من وله إذا تحير وتخبط عقله وكان أصله ولاه فقلبت ‏الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه فقيل إله كإعاء وإشاح ويرده ‏الجمع على آلهة دون أولهة وقيل أصله لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها إذا احتجب وارتفع ‏لأنه سبحانه وتعالى محجوب عن إدراك الأبصار ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به ‏ويشهد له قول الشاعر كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبار
وقيل علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه ‏صفاته ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه ولأنه لو كان وصفا لم يكن قول لا إله إلا الله ‏توحيدا مثل لا إله إلا الرحمن فإنه لا يمنع الشركة والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما ‏غلب‎ ‎عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل الثريا والصعق
أجرى مجراه في أجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق احتمال الشركة ‏إليه لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر فلا يمكن ‏أن يدل عليه بلفظ ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد ظاهر قوله سبحانه
وتعالى وهو الله في السموات معنى صحيحا ولأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين ‏مشاركا للآخر في المعنى والتركيب وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة
وقيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة وإدخال اللام عليه وتفخيم لامه ‏إذا انفتح ما قبله أو انضم سنة وقيل مطلقا وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد
به صريح اليمين وقد جاء لضرورة الشعر ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما الله بارك في ‏الرجال و ^ الرحمن الرحيم ^ اسمان بنيا للمبالغة من رحم كالغضبان من غضب والعليم
من علم والرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ومنه الرحم ‏لانعطافها على ما فيها وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون ‏المبادي التي تكون انفعالات و الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة ‏المعنى كما في قطع وقطع وكبار وكبار وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية وأخرى ‏باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه ‏يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية ‏كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة وإنما قدم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى ‏إلى الأعلى لتقدم رحمة الدنيا ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا‏
يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره ‏لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة ‏الجنسية أو حب المال عن القلب ثم إنه كالواسطة في ذلك لأن ذات النعم ووجودها ‏والقدرة على إيصالها والداعية الباعثة عليه والتمكن من الانتفاع بها والقوى التي بها
يحصل الانتفاع إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد غيره أو لأن الرحمن لما دل على ‏جلائل النعم وأوصلها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له أو ‏للمحافظة على رؤوس الآي . والأظهر أنه غير مصروف وإن حظر اختصاصه بالله تعالى ‏أن يكون له مؤنث على فعلى أو فعلانة إلحاقا له بما هو الغالب في بابه وإنما خص التسمية ‏بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي ‏الذي هو مولى
النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس ويتمسك ‏بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستعداد به عن غيره ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:10 PM
الدر المأثور للسيوطى

وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال: سئل ‏علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال {الحمد لله رب العالمين} فقيل ‏له: إنما هي ست آيات! فقال {بسم الله الرحمن الرحيم} آية.‏
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه في تفسيره والبيهقي عن أبي ‏هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الحمد لله رب العالمين} ‏سبع آيات {بسم الله الرحمن الرحيم} إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن ‏العظيم، وهي أم القرآن، وهي الفاتحة الكتاب".‏
وأخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة"إن النبي صلى الله عليه وسلم ‏كان إذا قرأ - وهو يؤم الناس - افتتح {بسم الله الرحمن الرحيم} قال أبو ‏هريرة: آية من كتاب الله، اقرؤا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية ‏المسابعة".‏
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أم سلمة قالت"قرأ رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم {بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن ‏الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، ‏صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال: هي ‏سبع يا أم سلمة"‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:11 PM
السعدى ‏

‏{ بِسْمِ اللَّهِ } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ { اسم } مفرد ‏مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. { اللَّهِ } هو المألوه المعبود, ‏المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات ‏الكمال. { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة ‏الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين ‏المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم ‏فلهم نصيب منها.‏
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان ‏بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات.‏
فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة ‏بالمرحوم. فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء. ‏يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر ‏على كل شيء. ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:12 PM
الطبرى ‏
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ ‏
‏ القول فـي تأويـل بِسْمِ.‏
‏ قال أبو جعفر: إن الله تعالـى ذكره وتقدست أسماؤه, أدّب نبـيه ‏مـحمدا صلى الله عليه وسلم بتعلـيـمه تقديـم ذكر أسمائه الـحسنى ‏أمام جميع أفعاله, وتقدم إلـيه فـي وصفه بها قبل جميع مهماته, وجعل ‏ما أدبه به من ذلك وعلـمه إياه منه لـجميع خـلقه سنةً يستنون بها, ‏وسبـيلاً يتبعونه علـيها, فـي افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم ‏وكتبهم وحاجاتهم حتـى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل «بسم الله», ‏علـى من بطن من فراده الذي هو مـحذوف. وذلك أن البـاء من «بسم ‏الله» مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبـا, ولا فعل معها ظاهر, فأغنت سامع ‏القائل «بسم الله» معرفته بـمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً, ‏إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به, إما معه وإما ‏قبله بلا فصل, ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة علـى الذي من أجله ‏افتتـح قـيـله به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف ‏منه, نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قـيـل له: ما أكلت الـيوم؟ فقال: ‏طعاما, عن أن يكرّر الـمسؤول مع قوله «طعاما» أكلت لـما قد ظهر ‏لديه من الدلالة علـى أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. ‏فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: «بِسم الله الرحمن الرحيـم» ثم ‏افتتـح تالـيا سورة, أن إتبـاعه «بسم الله الرحمن الرحيـم» تلاوةَ ‏السورة, ينبىء عن معنى قوله: «بسم الله الرحمن الرحيـم» ومفهوم به ‏أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيـم.‏
‏ وكذلك قوله: «بسم الله» عند نهوضه للقـيام أو عند قعوده وسائر ‏أفعاله, ينبىء عن معنى مراده بقوله «بسم الله», وأنه أراد بقـيـله «بسم ‏الله»: أقوم بسم الله, وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال.‏
‏ وهذا الذي قلنا فـي تأويـل ذلك, هو معنى قول ابن عبـاس, الذي:‏
‏ 1ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر ‏بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, ‏قال: إن أول ما نزل به جبريـل علـى مـحمد, قال: يا مـحمد, قل ‏أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بِسْمِ اللّهِ ‏الرّحْمَنِ الرّحِيـمِ قال: قال له جبريـل: قل بسم الله يا مـحمد. يقول: ‏اقرأ بذكر الله ربك, وقم واقعد بذكر الله.‏
‏ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويـل قوله «بسم الله» ما ‏وصفت, والـجالب «البـاء» فـي «بسم الله» ما ذكرت, فكيف قـيـل ‏‏«بسم الله», بـمعنى «اقرأ بسم الله», أو «أقوم أو أقعد بسم الله»؟ وقد ‏علـمت أن كل قارىء كتاب الله, فبعون الله وتوفـيقه قراءتُه, وأن كل ‏قائم أو قاعد أو فـاعل فعلاً, فبـالله قـيامُه وقعوده وفعله؟ وهلاّ إذا كان ‏ذلك كذلك, قـيـل: «بسم الله الرحمن الرحيـم», ولـم يقل «بسم الله» ‏فإن قول القائل: أقوم وأقعد بـالله الرحمن الرحيـم, أو أقرأ بـالله, ‏أوضح معنى لسامعه من قوله «بسم الله», إذ كان قوله أقوم وأقعد بسم ‏الله, يوهم سامعه أن قـيامه وقعوده بـمعنى غير الله.‏
‏ قـيـل له: إن الـمقصود إلـيه من معنى ذلك, غير ما توهمته فـي ‏نفسك. وإنـما معنى قوله «بسم الله»: أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل ‏شيء, أو أقرأ بتسمية الله, أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره لا أنه يعنـي ‏بقـيـله «بسم الله»: أقوم بـالله, أو أقرأ بـالله فـيكون قول القائل: ‏‏«أقرأ بـالله», و«أقوم وأقعد بـالله», أولـى بوجه الصواب فـي ذلك ‏من قوله «بسم الله».‏
‏ فإن قال: فإن كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفتَ, فكيف قـيـل ‏‏«بسم الله» وقد علـمت أن الاسم اسم, وأن التسمية مصدر من قولك ‏سَمّيت؟.‏
‏ قـيـل: إن العرب قد تـخرج الـمصادر مبهمةً علـى أسماء مختلفة, ‏كقولهم: أكرمت فلانا كرامةً, وإنـما بناء مصدر «أفعلتُ» إذا أُخرج ‏علـى فعله: «الإفعالُ», وكقولهم: أهنت فلانا هوانا, وكلـمته كلاما. ‏وبناء مصدر «فعّلت» التفعيـل, ومن ذلك قول الشاعر:‏
‏ أكُفْرا بَعْدَ رَدّ الـمَوْتِ عَنّـيوبَعْدَ عَطائِكَ الـمِائَةَ الرّتاعا ‏
‏ يريد: إعطائك. ومنه قول الاَخر:‏
‏ وَإنْ كانَ هَذا البُخْـلُ مِنْكَ سَجِيّةًلَقَدْ كُنْتُ فـي طَوْلـي رَجاءَكَ أشْعَبـا
‏ يريد: فـي إطالتـي رجاءك. ومنه قول الاَخر:‏
‏ أظَلُومُ إنّ مُصَابَكُمْ رَجُلاأهْدَى السّلامَ تَـحِيّةً ظُلْـمُ ‏
‏ يريد إصابتكم. والشواهد فـي هذا الـمعنى تكثر, وفـيـما ذكرنا ‏كفـاية, لـمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر علـى ما وصفنا من إخراج ‏العرب مصادر الأفعال علـى غير بناء أفعالها كثـيرا, وكان تصديرها ‏إياها علـى مخارج الأسماء موجودا فـاشيا, تبـين بذلك صواب ما قلنا ‏من التأويـل فـي قول القائل: «بسم الله», أن معناه فـي ذلك عند ‏ابتدائه فـي فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله, قبل فعلـي, أو قبل قولـي.‏
‏ وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: «بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ ‏الرّحِيـمِ» إنـما معناه: أقرأ مبتدئا بتسمية الله, أو أبتدىء قراءتـي ‏بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية, كما جعل الكلام مكان التكلـيـم, ‏والعطاء مكان الإعطاء.‏
‏ وبـمثل الذي قلنا من التأويـل فـي ذلك, رُوي الـخبر عن عبد الله ‏بن عبـاس.‏
‏ 2ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن ‏عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: ‏أول ما نزل جبريـل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, قال: يا ‏مـحمد, قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل ‏بسم الله الرحمن الرحيـم.‏
‏ قال ابن عبـاس: «بسم الله», يقول له جبريـل: يا مـحمد اقرأ بذكر ‏الله ربك, وقم واقعد بذكر الله.‏
‏ وهذا التأويـل من ابن عبـاس ينبىء عن صحة ما قلنا من أنه يراد ‏بقول القائل مفتتـحا قراءته: «بسم الله الرحمن الرحيـم»: أقرأ بتسمية ‏الله وذكره, وافتتـح القراءة بتسمية الله, بأسمائه الـحسنى, وصفـاته ‏العلـى وفسادِ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بـالله الرحمن ‏الرحيـم فـي كل شيء, مع أن العبـاد إنـما أمروا أن يبتدئوا عند ‏فواتـح أمورهم بتسمية الله لا بـالـخبر عن عظمته وصفـاته, كالذي ‏أمروا به من التسمية علـى الذبـائح والصيد, وعند الـمطعم ‏والـمشرب, وسائر أفعالهم, وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح ‏تلاوة تنزيـل الله وصدور رسائلهم وكتبهم.‏
‏ ولا خلاف بـين الـجميع من علـماء الأمة, أن قائلاً لو قال عند ‏تذكيته بعض بهائم الأنعام: «بـالله», ولـم يقل «بسم الله», أنه مخالف ‏بتركه قـيـل «بسم الله» ما سُنّ له عند التذكية من القول. وقد علـم ‏بذلك أنه لـم يرد بقوله «بسم الله», «بـالله» كما قال الزاعم أن اسم الله ‏فـي قول الله: «بسم الله الرحمن الرحيـم», هو الله لأن ذلك لو كان كما ‏زعم, لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبـيحته «بـالله» قائلاً ما سُنّ ‏له منّ القول علـى الذبـيحة. وفـي إجماع الـجميع علـى أن قائل ‏ذلك تارك ما سُنّ له من القول علـى ذبـيحته, إذْ لـم يقل «بسم الله», ‏دلـيـل واضح علـى فساد ما ادعى من التأويـل فـي قول القائل ‏‏«بسم الله» وأنه مراد به بـالله, وأن اسم الله هو الله.‏
‏ ولـيس هذا الـموضع من مواضع الإكثار فـي الإبـانة عن الاسم, ‏أهو الـمسمى أم غيره أم هو صفة له؟ فنطيـل الكتاب به, وإنـما هو ‏موضع من مواضع الإبـانة عن الاسم الـمضاف إلـى الله, أهو اسم أم ‏مصدر بـمعنى التسمية؟ فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي بـيت لبـيد ‏بن ربـيعة:‏
‏ إلـى الـحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَـيْكُمَاوَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقَدِ اعْتَذَرْ ‏
‏ فقد تأوّله مقدم فـي العلـم بلغة العرب, أنه معنـيّ به: ثم السلام ‏علـيكما, وأن اسم السلام هو السلام.‏
‏ قـيـل له: لو جاز ذلك وصحّ تأويـله فـيه علـى ما تأوّل, لـجاز ‏أن يقال: رأيت اسم زيد, وأكلت اسم الطعام, وشربت اسم الشراب. ‏وفـي إجماع جميع العرب علـى إحالة ذلك ما ينبىء عن فساد تأويـل ‏من تأوّل قول لبـيد: «ثم اسم السلام علـيكما», أنه أراد: ثم السلام ‏علـيكما, وادعائه أن ادخال الاسم فـي ذلك وإضافته إلـى السلام إنـما ‏جاز, إذْ كان اسم الـمسمى هو الـمسمى بعينه.‏
‏ ويُسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا, فـيقال لهم: أتستـجيزون ‏فـي العربـية أن يقال أكلت اسم العسل, يعنـي بذلك أكلت العسل, كما ‏جاز عندكم اسم السلام علـيك, وأنتـم تريدون السلام علـيك؟ فإن ‏قالوا: نعم خرجوا من لسن العرب, وأجازوا فـي لغتها ما تـخطئه ‏جميع العرب فـي لغتها. وإن قالوا لا سئلوا الفرق بـينهما, فلن يقولوا ‏فـي أحدهما قولاً إلاّ ألزموا فـي الاَخر مثله.‏
‏ فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبـيد هذا عندك؟ قـيـل له: يحتـمل ‏ذلك وجهين, كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن «السلام» ‏اسم من أسماء الله فجائز أن يكون لبـيد عنى بقوله: «ثم اسم السلام ‏علـيكما»: ثم الْزَمَا اسم الله وذكره بعد ذلك, ودعا ذكري والبكاء علـيّ ‏علـى وجه الإغراء. فرفع الاسم, إذْ أخّر الـحرف الذي يأتـي بـمعنى ‏الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت الـمُغْرَى به, ‏وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر:‏
‏ يا أيّها الـمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَاإنـي رأيْتُ النّاس يَحْمَدُونَكا ‏
‏ فأغرى ب«دونك», وهي مؤخرة وإنـما معناه: دونك دلوي. فذلك قول ‏لبـيد:‏
‏ إلـى الـحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَـيْكُمَا ‏
‏ يعنـي: علـيكما اسم السلام, أي: الزما ما ذكر الله, ودعا ذكري ‏والوجد بـي لأن من بكى حولاً علـى امرىء ميت فقد اعتذر. فهذا أحد ‏وجهيه.‏
‏ والوجه الاَخر منهما: ثم تسميتـي الله علـيكما, كما يقول القائل للشيء ‏يراه فـيعجبه: «اسم الله علـيك» يعوّذه بذلك من السوء, فكأنه قال: ثم ‏اسم الله علـيكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه الـمعنـيـين بقول ‏لبـيد.‏
‏ ويقال لـمن وجّه بـيت لبـيد هذا إلـى أن معناه: «ثم السلام ‏علـيكما»: أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا, أو أحدهما, أو غير ما ‏قلت فـيه؟ فإن قال: لا أبـان مقداره من العلـم بتصاريف وجوه كلام ‏العرب, وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال: بلـى قـيـل له: فما ‏برهانك علـى صحة ما ادّعيت من التأويـل أنه الصواب دون الذي ‏ذكرت أنه مـحتـمله من الوجه الذي يـلزمنا تسلـيـمه لك؟ ولا ‏سبـيـل إلـى ذلك. وأما الـخبر الذي:‏
‏ 3ـ حدثنا به إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء بن ‏الضحاك, قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى عن ‏ابن أبـي ملـيكة, عمن حدثه عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن ‏عطية, عن أبـي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ‏عِيسى ابْنَ مَرْيَـمَ أسْلَـمَتْهُ أُمّهُ إلـى الكُتّابِ لِـيُعَلّـمَهُ, فَقالَ لَهُ ‏الـمُعَلّـمُ: اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ له عِيسَى: وَما بِسْمِ؟ فَقالَ لَهُ الـمُعَلّـمُ: ما ‏أدْرِي فَقالَ عِيسىَ: البـاءُ: بَهاءُ اللّهِ, وَالسّينُ: سَناؤُهُ, وَالـمِيـمُ: ‏مَـمْلَكَتُهُ».‏
‏ فأخشى أن يكون غلطا من الـمـحدث, وأن يكون أراد: «ب س م», ‏علـى سبـيـل ما يعلـم الـمبتدى من الصبـيان فـي الكتاب حروفَ ‏أبـي جاد. فغلط بذلك, فوصله فقال: «بسم» لأنه لا معنى لهذا التأويـل ‏إذا تُلـي «بسم الله الرحمن الرحيـم» علـى ما يتلوه القارىء فـي ‏كتاب الله, لاستـحالة معناه علـى الـمفهوم به عند جميع العرب وأهل ‏لسانها, إذا حمل تأويـله علـى ذلك.‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:13 PM
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{الله}.‏
‏ قال أبو جعفر: وأما تأويـل قول الله: «الله», فإنه علـى معنى ما ‏رُوي لنا عن عبد الله بن عبـاس: هو الذي يَأْلَهه كل شيء, ويعبده كل ‏خـلق. وذلك أن أبـا كريب:‏
‏ 4ـ حدثنا قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: ‏حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: الله ذو ‏الألوهية والـمعبودية علـى خـلقه أجمعين.‏
‏ فإن قال لنا قائل: فهل لذلك فـي «فَعَلَ ويَفْعَل» أصل كان منه بناء هذا ‏الاسم؟ قـيـل: أما سماعا من العرب فلا, ولكن استدلالاً.‏
‏ فإن قال: وما دلّ علـى أن الألوهية هي العبـادة, وأن الإله هو ‏الـمعبود, وأن له أصلاً فـي فعل ويفعل؟ قـيـل: لا تـمانُعَ بـين ‏العرب فـي الـحكم لقول القائل يصف رجلاً بعبـادة ويطلب مـما عند ‏الله جل ذكره: تألّه فلان بـالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن ‏العجاج:‏
‏ لِلّهِ دَرّ الغانِـياتِ الـمُدّةِسَبّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألّهِي ‏
‏ يعنـي من تعبدي وطلبـي الله بعمل. ولا شك أن التأله «التفعّل» من: ‏أَلَهَ يَأْلَهُ, وأن معنى «أَلَه» إذا نُطق به: عَبَد الله. وقد جاء منه مصدر يدل ‏علـى أن العرب قد نطقت منه ب«فَعَل يفعل» بغير زيادة. وذلك ما:‏
‏ 5ـ حدثنا به سفـيان بن وكيع, قال حدثنا أبـي, عن نافع بن عمر, ‏عن عمرو بن دينار, عن ابن عبـاس, أنه قرأ: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» قال: ‏عبـادتك, ويُقال: إنه كان يُعْبَد ولا يَعْبَد.‏
‏ وحدثنا سفـيان, قال: حدثنا ابن عيـينة, عن عمرو بن دينار, عن ‏مـحمد بن عمرو بن الـحسن, عن ابن عبـاس: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» ‏قال: إنـما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبد. وكذلك كان عبد الله يقرؤها ‏ومـجاهد.‏
‏ 6ـ وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: أخبرنـي ‏حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قوله: («وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ») قال: ‏وعبـادتك. ولا شك أن الإلاهة علـى ما فسره ابن عبـاس ومـجاهد, ‏مصدرٌ من قول القائل أَلَهَ اللّهَ فلانٌ إلاهةً, كما يقال: عبد الله فلانٌ ‏عبـادة, وعَبَر الرؤيا عبـارةً. فقد بـيّن قول ابن عبـاس ومـجاهد ‏هذا أن أله: عبد, وأن الإلاهة مصدره.‏
‏ فإن قال: فإن كان جائزا أن يقال لـمن عبد الله: ألهه, علـى تأويـل ‏قول ابن عبـاس ومـجاهد, فكيف الواجب فـي ذلك أن يقال, إذا أراد ‏الـمخبر الـخبر عن استـيجاب الله ذلك علـى عبده؟ قـيـل: أما ‏الرواية فلا رواية عندنا, ولكن الواجب علـى قـياس ما جاء به الـخبر ‏عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي:‏
‏ 7ـ حدثنا به إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء, ‏قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى, عن ابن ‏أبـي ملـيكة, عمن حدثه, عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن عطية ‏العوفـي, عن أبـي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏«إنّ عِيسَى أسْلَـمَتْهُ أُمّهُ إلـى الكُتّابِ لِـيُعَلّـمَهُ, فَقالَ لَهُ الـمُعَلّـمُ: ‏اكْتُبْ اللّهُ, فَقالَ لَهُ عِيسَى: أَتَدْرِي ما اللّهُ؟ اللّهُ إلَهُ الاَلِهَةِ».‏
‏ أن يقال: الله جل جلاله أَلَهَ العَبْدَ, والعبدُ ألهه. وأن يكون قول القائل ‏‏«الله» من كلام العرب أصله «الإله».‏
‏ فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما؟ قال: ‏كما جاز أن يكون قوله: لَكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّـي أصله: «لكن أنا هو الله ‏ربـي» كما قال الشاعر:‏
‏ وَتَرْمِيننِـي بـالطّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌوتَقْلِـينَنِـي لَكِنّ إيّاكِ لا أَقْلِـي ‏
‏ يريد: «لكنْ أنا إياك لا أقلـي» فحذف الهمزة من «أنا», فـالتقت نون ‏‏«أنا» ونون «لكن» وهي ساكنة, فأدغمت فـي نون أنا, فصارتا نونا ‏مشددة, فكذلك الله, أصله الإله, أسقطت الهمزة, التـي هي فـاء الاسم, ‏فـالتقت اللام التـي هي عين الاسم, واللام الزائدة التـي دخـلت مع ‏الألف الزائدة, وهي ساكنة, فأدغمت فـي الأخرى التـي هي عين ‏الاسم, فصارتا فـي اللفظ لاما واحدة مشددة, كما وصفنا من قول الله: ‏لَكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّـي.‏
‏ القول فـي تأويـل قوله تعالـى: الرّحْمنِ الرّحِيـمِ.‏
‏ قال أبو جعفر: أما الرحمن, فهو «فعلان», من رحم, والرحيـم ‏فعيـل منه. والعرب كثـيرا ما تبنى الأسماء من فعل يفعل علـى ‏فعلان, كقولهم من غضب غضبـان, ومن سكر سكران, ومن عطش ‏عطشان, فكذلك قولهم رحمَن من رحم, لأن «فَعِلَ» منه: رَحِمَ يَرْحم.‏
‏ وقـيـل «رحيـم» وإن كانت عين فعل منها مكسورة, لأنه مدح. ‏ومن شأن العرب أن يحملوا أبنـية الأسماء إذا كان فـيها مدح أو ذمّ ‏علـى فعيـل, وإن كانت عين فَعِلَ منها مكسورة أو مفتوحة, كما قالوا ‏من عَلِـمَ: عالـم وعلـيـم, ومن قدَر: قادر وقدير. ولـيس ذلك منها ‏بناءً علـى أفعالها لأن البناء من «فَعِلَ يَفْعَل» «وَفَعَلَ يَفْعَلُ» فـاعل. فلو ‏كان الرحمن والرحيـم خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما ‏الراحم.‏
‏ فإن قال قائل: فإذا كان الرحمَن والرحيـم اسمين مشتقـين من ‏الرحمة, فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤّد عن معنى الاَخر؟
‏ قـيـل له: لـيس الأمر فـي ذلك علـى ما ظننت, بل لكل كلـمة ‏منهما معنى لا تؤَدي الأخرى منهما عنها. فإن قال: وما الـمعنى الذي ‏انفردت به كل واحدة منهما, فصارت إحداهما غير مؤدية الـمعنى عن ‏الأخرى؟ قـيـل: أما من جهة العربـية, فلا تـمانع بـين أهل ‏الـمعرفة بلغات العرب أن قول القائل «الرحمن» عن أبنـية الأسماء ‏من «فَعِلَ يَفْعَل» أشد عدولاً من قوله «الرحيـم». ولا خلاف مع ذلك ‏بـينهم أن كل اسم كان له أصل فـي «فَعِلَ يَفْعَل», ثم كان عن أصله ‏من فعل ويفعل أشدّ عدولاً, أن الـموصوف به مفضل علـى ‏الـموصوف بـالاسم الـمبنـي علـى أصله من «فَعِلَ يَفْعل» إذا كانت ‏التسمية به مدحا أو ذما. فهذا ما فـي قول القائل «الرحمَن» من زيادة ‏الـمعنى علـى قوله: «الرحيـم» فـي اللغة.‏
‏ وأما من جهة الأثر والـخبر, ففـيه بـين أهل التأويـل اختلاف.‏
‏ 8ـ فحدثنـي السريّ بن يحيى التـميـمي, قال: حدثنا عثمان بن ‏زفر, قال: سمعت العرزمي يقول: «الرحمن الرحيـم» قال: الرحمن ‏بجميع الـخـلق. «الرحيـم» قال: بـالـمؤمنـين.‏
‏ 9ـ وحدثنا إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء, ‏قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى, عن ابن ‏أبـي ملـيكة, عمن حدثه, عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن عطية ‏العوفـي, عن أبـي سعيد يعنـي الـخدري قال: قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم: «إنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ قالَ: الرّحْمَنُ: رَحْمَنُ الاَخِرَةِ ‏والدّنْـيَا, والرّحِيـمُ: رَحِيـمُ الاَخِرَةِ».‏
‏ فهذان الـخبران قد أنبآ عن فرق ما بـين تسمية الله جل ثناؤه بـاسمه ‏الذي هو «رحمن», وتسميته بـاسمه الذي هو «رحيـم». واختلاف ‏معنى الكلـمتـين, وإن اختلفـا فـي معنى ذلك الفرق, فدل أحدهما ‏علـى أن ذلك فـي الدنـيا, ودل الاَخر علـى أنه فـي الاَخرة.‏
‏ فإن قال: فأيّ هذين التأويـلـين أولـى عندك بـالصحة؟ قـيـل: ‏لـجميعهما عندنا فـي الصحة مخرج, فلا وجه لقول قائل: أيهما أولـى ‏بـالصحة. وذلك أن الـمعنى الذي فـي تسمية الله بـالرحمن, دون ‏الذي فـي تسميته بـالرحيـم هو أنه بـالتسمية بـالرحمن موصوف ‏بعموم الرحمة جميع خـلقه, وأنه بـالتسمية بـالرحيـم موصوف ‏بخصوص الرحمة بعض خـلقه, إما فـي كل الأحوال, وإما فـي بعض ‏الأحوال. فلا شكّ إذا كان ذلك كذلك, أن ذلك الـخصوص الذي فـي ‏وصفه بـالرحيـم لا يستـحيـل عن معناه, فـي الدنـيا كان ذلك أو ‏فـي الاَخرة, أو فـيهما جميعا. فإذا كان صحيحا ما قلنا من ذلك وكان ‏الله جل ثناؤه قد خص عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا بـما ‏لطف بهم فـي توفـيقه إياهم لطاعته, والإيـمان به وبرسله, واتبـاع ‏أمره واجتناب معاصيه مـما خذل عنه من أشرك به فكفر, وخالف ما ‏أمره به وركب معاصيه, وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد فـي ‏أجل الاَخرة فـي جناته من النعيـم الـمقـيـم والفوز الـمبـين لـمن ‏آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصا دون من أشرك وكفر به كان ‏بـيّنا أن الله قد خص الـمؤمنـين من رحمته فـي الدنـيا والاَخرة, مع ‏ما قد عمهم به والكفـار فـي الدنـيا, من الإفضال والإحسان إلـى ‏جميعهم, فـي البسط فـي الرزق, وتسخير السحاب بـالغيث, وإخراج ‏النبـات من الأرض, وصحة الأجسام والعقول, وسائر النعم التـي لا ‏تـحصى, التـي يشترك فـيها الـمؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه ‏رحمنُ جميع خـلقه فـي الدنـيا والاَخرة, ورحيـم الـمؤمنـين خاصة ‏فـي الدنـيا والاَخرة.‏
‏ فأما الذي عمّ جميعهم به فـي الدنـيا من رحمته, فكان رحمانا لهم به, ‏فما ذكرنا مع نظائره التـي لا سبـيـل إلـى إحصائها لأحد من ‏خـلقه, كما قال جل ثناؤه: (وإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُـحْصُوها. وأما ‏فـي الاَخرة, فـالذي عم جميعهم به فـيها من رحمته. فكان لهم ‏رحمانا. تسويته بـين جميعهم جل ذكره فـي عدله وقضائه, فلا يظلـم ‏أحدا منهم مِثْقَالَ ذَرّةٍ, وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرا ‏عَظِيـما, وتُوفّـى كل نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه فـي الاَخرة ‏جميعهم برحمته الذي كان به رحمانا فـي الاَخرة.‏
‏ وأما ما خص به الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا من رحمته الذي كان ‏به رحيـما لهم فـيها, كما قال جل ذكره: وكانَ بـالـمُؤْمِنِـينَ ‏رَحِيـما فما وصفنا من اللطف لهم فـي دينهم, فخصهم به دون من خذله ‏من أهل الكفر به.‏
‏ وأما ما خصهم به فـي الاَخرة, فكان به رحيـما لهم دون الكافرين. ‏فما وصفنا آنفـا مـما أعدّ لهم دون غيرهم من النعيـم والكرامة التـي ‏تقصر عنها الأمانـي. وأما القول الاَخر فـي تأويـله, فهو ما:‏
‏ 10ـ حدثنا به أبو كريب. قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر ‏بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, ‏قال: الرحمن الفعلان من الرحمة, وهو من كلام العرب. قال: الرحمن ‏الرحيـم: الرقـيق الرفـيق بـمن أحبّ أن يرحمه, والبعيد الشديد ‏علـى من أحبّ أن يعنف علـيه. وكذلك أسماؤه كلها.‏
‏ وهذا التأويـل من ابن عبـاس, يدل علـى أن الذي به ربنا رحمن هو ‏الذي به رحيـم, وإن كان لقوله «الرحمن» من الـمعنى ما لـيس لقوله ‏‏«الرحيـم» لأنه جعل معنى الرحمن بـمعنى الرقـيق علـى من رقّ ‏علـيه, ومعنى الرحيـم بـمعنى الرفـيق بـمن رفق به.‏
‏ والقول الذي رويناه فـي تأويـل ذلك عن النبـي صلى الله عليه وسلم ‏وذكرناه عن العرزمي, أشبه بتأويـله من هذا القول الذي روينا عن ابن ‏عبـاس وإن كان هذا القول موافقا معناه معنى ذلك, فـي أن للرحمن من ‏الـمعنى ما لـيس للرحيـم, وأن للرحيـم تأويلاً غير تأويـل الرحمن.‏
‏ والقول الثالث فـي تأويـل ذلك, ما:‏
‏ 11ـ حدثنـي به عمران بن بكار الكلاعي, قال: حدثنا يحيى بن ‏صالـح, قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللـخمي من أهل ‏فلسطين, قال: سمعت عطاء الـخراسانـي, يقول: كان الرحمن, فلـما ‏اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيـم.‏
‏ والذي أراد إن شاء الله عطاء بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله ‏التـي لا يتسمى بها أحد من خـلقه, فلـما تسمى به الكذّاب مسيـلـمة ‏وهو اختزاله إياه, يعنـي اقتطاعه من أسمائه لنفسه أخبر الله جلّ ثناؤه ‏أن اسمه الرحمن الرحيـم, لـيفصل بذلك لعبـاده اسمه من اسم من قد ‏تسمى بأسمائه, إذ كان لا يُسمّى أحد الرحمن الرحيـم فـيجمع له هذان ‏الاسمان غيره جل ذكره وإنـما تسمى بعض خـلقه إما رحيـما, أو ‏يتسمى رحمن, فأما «رحمَن رحيـم», فلـم يجتـمعا قط لأحد سواه, ولا ‏يجمعان لأحد غيره. فكأن معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنـما ‏فصل بتكرير الرحيـم علـى الرحمن بـين اسمه واسم غيره من ‏خـلقه, اختلف معناهما أو اتفقا.‏
‏ والذي قال عطاء من ذلك غير فـاسد الـمعنى, بل جائز أن يكون جل ‏ثناؤه خص نفسه بـالتسمية بهما معا مـجتـمعين إبـانة لها من خـلقه, ‏لـيعرف عبـاده بذكرهما مـجموعين أنه الـمقصود بذكرهما دون من ‏سواه من خـلقه, مع ما فـي تأويـل كل واحد منهما من الـمعنى الذي ‏لـيس فـي الاَخر منهما.‏
‏ وقد زعم بعض أهل الغبـاء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولـم ‏يكن ذلك فـي لغتها ولذلك قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه ‏وسلم: وَمَا الرّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لـما تَأْمُرُنَا إنكارا منهم لهذا الاسم. كأنه كان ‏مـحالاً عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالـمين بصحته, أو كأنه ‏لـم يتل من كتاب الله قولَ الله: الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنـي ‏مـحمدا كَما يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ وهم مع ذلك به مكذبون, ولنبّوته جاحدون. ‏فـيعلـم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقـيقة ما قد ثبت عندهم صحته ‏واستـحكمت لديهم معرفته. وقد أنشد لبعض الـجاهلـية الـجهلاء:‏
‏ ألاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَهاألاَ قَضَبَ الرّحْمَنُ رَبّـي يَـمِينَها ‏
‏ وقال سلامة بن جندل الطهوي:‏
‏ عَجِلْتُـمْ عَلَـيْنَا عَجْلَتَـيْنا عَلَـيْكُمُوَما يَشاء الرّحْمَنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ ‏
‏ وقد زعم أيضا بعض من ضعفت معرفته بتأويـل أهل التأويـل, وقلت ‏روايته لأقوال السلف من أهل التفسير, أن «الرحمن» مـجازه «ذو ‏الرحمة», و«الرحيـم» مـجازه «الراحم». ثم قال: قد يقدرون اللفظين ‏من لفظ والـمعنى واحد, وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ‏ذلك, فقالوا: ندمان ونديـم. ثم استشهد بقول بُرْج بن مسهر الطائي:‏
‏ ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكأسَ طِيبَـاسَقَـيْتُ وقَدْ تَغَوّرَتِ النّـجُومُ ‏
‏ واستشهد بأبـيات نظائر له فـي النديـم والندمان. ففرق بـين معنى ‏الرحمن والرحيـم فـي التأويـل, لقوله: الرحمن ذو الرحمة, ‏والرحيـم: الراحم. وإن كان قد ترك بـيان تأويـل معنـيهما علـى ‏صحته. ثم مثل ذلك بـاللفظين يأتـيان بـمعنى واحد, فعاد إلـى ما قد ‏جعله بـمعنـيـين, فجعله مثال ما هو بـمعنى واحد مع اختلاف ‏الألفـاظ. ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثبت أن له الرحمة وصح أنها ‏له صفة, وأن الراحم هو الـموصوف بأنه سيرحم, أو قد رحم فـانقضى ‏ذلك منه, أو هو فـيه. ولا دلالة له فـيه حينئذ أن الرحمة له صفة, ‏كالدلالة علـى أنها له صفة إذا وصفه بأنه ذو الرحمة. فأين معنى ‏الرحمن الرحيـم علـى تأويـله من معنى الكلـمتـين يأتـيان ‏مقدرتـين من لفظ واحد بـاختلاف الألفـاظ واتفـاق الـمعانـي؟
‏ ولكن القول إذا كان غير أصل معتـمد علـيه كان واضح عُوَارُه.‏
‏ وإن قال لنا قائل: ولـم قدم اسم الله الذي هو الله علـى اسمه الذي هو ‏الرحمن, واسمه الذي هو الرحمن علـى اسمه الذي هو الرحيـم؟
‏ قـيـل: لأن من شأن العرب إذا أرادوا الـخبر عن مخبر عنه أن ‏يقدموا اسمه, ثم يُتبعوه صفـاته ونعوته. وهذا هو الواجب فـي الـحكم: ‏أن يكون الاسم مقدما قبل نعته وصفته, لـيعلـم السامع الـخبر عمن ‏الـخبر فإذا كان ذلك كذلك, وكان لله جل ذكره أسماء قد حرم علـى ‏خـلقه أن يتسموا بها خص بها نفسه دونهم, ذلك مثل «الله», ‏و«الرحمن» و«الـخالق» وأسماء أبـاح لهم أن يسمي بعضهم بعضا ‏بها, وذلك كالرحيـم, والسميع, والبصير, والكريـم, وما أشبه ذلك من ‏الأسماء كان الواجب أن يقدم أسماءه التـي هي له خاصة دون جميع ‏خـلقه, لـيعرف السامع ذلك من توجه إلـيه الـحمد والتـمـجيد ثم ‏يتبع ذلك بأسمائه التـي قد تسمى بها غيره, بعد علـم الـمخاطب أو ‏السامع من توجه إلـيه ما يتلو ذلك من الـمعانـي.‏
‏ فبدأ الله جل ذكره بـاسمه الذي هو الله لأن الألوهية لـيست لغيره جل ‏ثناؤه بوجه من الوجوه, لا من جهة التسمي به, ولا من جهة الـمعنى. ‏وذلك أنا قد بـينا أن معنى الله هو الـمعبود, ولا معبود غيره جل جلاله, ‏وأن التسمي به قد حرمه الله جل ثناؤه, وإن قصد الـمتسمي به ما يقصد ‏الـمتسمي بسعيد وهو شقـيّ, وبحَسَن وهو قبـيح.‏
‏ أَوَ لا ترى أن الله جل جلاله قال فـي غير آية من كتابه: (أإله مَعَ الله) ‏فـاستكبر ذلك من الـمقرّ به, وقال تعالـى فـي خصوصية نفسه بـالله ‏وبـالرحمن: (قُلِ ادْعُوا اللّهَ أو ادْعُوا الرّحْمَنَ أَيّا ما تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ ‏الْـحُسْنَى) ثم ثنّى بـاسمه, الذي هو الرحمن, إذْ كان قد منع أيضا ‏خـلقه التسمي به, وإن كان من خـلقه من قد يستـحق تسميته ببعض ‏معانـيه وذلك أنه قد يجوز وصف كثـير مـمن هو دون الله من خـلقه ‏ببعض صفـات الرحمة, وغير جائز أن يستـحق بعض الألوهية أحد ‏دونه فلذلك جاء الرحمَن ثانـيا لاسمه الذي هو الله».‏
‏ وأما اسمه الذي هو «الرحيـم» فقد ذكرنا أنه مـما هو جائز وصف ‏غيره به. والرحمة من صفـاته جل ذكره, فكان إذ كان الأمر علـى ما ‏وصفنا, واقعا مواقع نعوت الأسماء اللواتـي هن توابعها بعد تقدم ‏الأسماء علـيها. فهذا وجه تقديـم اسم الله الذي هو «الله» علـى اسمه ‏الذي هو «الرحمن», واسمه الذي هو «الرحمن» علـى اسمه الذي هو ‏‏«الرحيـم».‏
‏ وقد كان الـحسن البصري يقول فـي الرحمن مثل ما قلنا, أنه من ‏أسماء الله التـي منع التسمي بها لعبـاده.‏
‏ 12ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا حماد بن مسعدة, عن عوف, ‏عن الـحسن, قال: الرحمن اسم مـمنوع.‏
‏ مع أن فـي إجماع الأمة مِن منع التسمي به جميع الناس ما يغنـي ‏عن الاستشهاد علـى صحة ما قلنا فـي ذلك بقول الـحسن وغيره.‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:17 PM
القرطبى ‏

‏"بسم الله الرحمن الرحيم" قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يقسم ‏لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أفي لكم ‏بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري. و"بسم الله ‏الرحمن الرحيم" مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا ‏بعد سليمان عليه السلام. وقال بعض العلماء: " إن "بسم الله الرحمن ‏الرحيم" تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات، وهذا ‏صحيح.‏
قال بن أبي سكينة: بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلي ‏رجل يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال له: جودها فإن رجلا جودها ‏فغفر له. قال سعيد: وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه "بسم الله الرحمن ‏الرحيم" فقبله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر ‏الحافي، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه، ذكره ‏القشيري. وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عثرت بك ‏الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته ‏صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل ‏الذباب). وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى: "وإذا ذكرت ربك في ‏القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا" [الإسراء:46] قال معناه: إذا قلت ‏‏"بسم الله الرحمن الرحيم". وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ‏عبدالله بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ‏‏"بسم الله الرحمن الرحيم" ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل ‏واحد. فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله ‏فيهم: "عليها تسعة عشر" [المدثر: 30] وهم يقولون في كل أفعالهم: "بسم ‏الله الرحمن الرحيم" فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. قال ابن ‏عطية: ونظير هذا قولهم في ليلة القدر: إنها سبع وعشرين، مراعاة للفظة ‏‏"هي" من كلمات سورة "إنا أنزلناه" [القدر: 1]. ونظيره أيضا قولهم في ‏عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا ‏مباركا فيه، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، فلذلك قال النبي الله صلى الله عليه ‏وسلم: (لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول). قال ابن ‏عطية: وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم.‏
روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب ‏‏"باسمك اللهم" حتى أمر أن يكتب "بسم الله" فكتبها، فلما نزلت: "قل ادعوا ‏الله أو ادعوا الرحمن" [الإسراء:110] كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما ‏نزلت: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" [النمل:30] كتبها. ‏وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: إن ‏النبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت ‏سورة "النمل".‏
روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: البسملة تيجان السور.‏
‏ قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف ‏العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا ‏غيرها، وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبدالله ‏بن المبارك. (الثالث ) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في ‏سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في ‏الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل.‏
‏ واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن ‏عبدالحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ‏عن أبي هريرة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قرأتم الحمد لله ‏رب العالمين فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب ‏والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها). رفع هذا الحديث ‏عبدالحميد بن جعفر، وعبدالحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ‏ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري ‏يضعفه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور.‏
وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أبي أنس قال: بينا ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع ‏رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (نزلت علي آنفا سورة) ‏فقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن ‏شانئك هو الأبتر" [الكوثر: الآية]. وذكر الحديث، وسيأتي في سورة الكوثر ‏إن شاء الله تعالى.‏
الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما ‏طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: "ويكفيك أنها ‏ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه". والأخبار ‏الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا ‏غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين ‏عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال ‏الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد "الرحمن الرحيم" قال الله تعالى أثنى ‏علي عبدي وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال مجدني عبدي - وقال مرة ‏فوض إلي عبدي - فإذا قال "إياك نعبد وإياك نستعين" قال هذا بيني وبين ‏عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ‏أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال هذا لعبدي ولعبدي ‏ما سأل). فقوله سبحانه: (قسمت الصلاة) يريد الفاتحة، وسماها صلاة لأن ‏الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها ‏تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين ‏عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم ‏الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله: ‏‏(هؤلاء لعبدي) أخرجه مالك، ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن "أنعمت ‏عليهم" آية. قال ابن بكير: قال قال مالك: "أنعمت عليهم" آية، ثم الآية ‏السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه ‏السلام لأبي: (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة) قال: فقرأت "الحمد لله رب ‏العالمين" حتى أتيت على آخرها - أن البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل ‏المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا "أنعمت عليهم" آية، ‏وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: الآية السادسة "أنعمت ‏عليهم". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها "بسم الله ‏الرحمن الرحيم" ولم يعدوا "أنعمت عليهم".‏
‏ فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله، كما ‏نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها ‏قرآناً أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة: كنا لا نعرف ‏انقضاء السورة حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" أخرجه أبو داود - أو ‏تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل؟ كل ‏ذلك محتمل. وقد قال الجريري: سئل الحسن عن "بسم الله الرحمن الرحيم" ‏قال: في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل "بسم الله الرحمن ‏الرحيم" في شيء من القرآن إلا في "طس" "إنه من سليمان وإنه بسم الله ‏الرحمن الرحيم" [النمل: 30]. والفيصل أن القرآن لا يثبن بالنظر ‏والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد ‏اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من ‏كل سورة؛ والحمد لله. ‏
‏ فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في ‏جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة ‏في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة في صحيح ‏مسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، ‏والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم ‏أيضا عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ‏بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين؛ لا يذكرون "بسم الله ‏الرحمن الرحيم" لا في أول قراءة ولا في آخرها. ثم إن مذهبنا يترجح في ‏ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول؛ وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ‏بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط "بسم ‏الله الرحمن الرحيم" اتباعا للسنة؛ وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا ‏استحبوا قراءتها في النفل وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على ‏السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض ‏القرآن عرضاً.‏
‏ وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا ‏غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً؛ ‏ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. ‏وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم ‏القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ‏ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لابد فيها من "بسم الله ‏الرحمن الرحيم" منهم ابن عمر، وابن شهاب؛ وبه قال الشافعي وأحمد ‏وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا ‏قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير ‏المسلمين؛ وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور؛ والحمد لله.‏
وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة؛ منهم: أبو حنيفة ‏والثوري؛ وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير؛ ‏وهو قول الحكم وحماد؛ وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد؛ وروي عن ‏الأوزاعي مثل ذلك؛ حكاه أبو عمر بن عبدالبر في (الاستذكار). واحتجوا ‏من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال: صلى ‏بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم سمعنا قراءة "بسم الله الرحمن ‏الرحيم". وما رواه عمار بن رزيق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن ‏أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، ‏فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.‏
‏ قلت: هذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به ‏من الخلاف في قراءة البسملة. وقد روي عن سعيد بن جبير قال: هذا محمد ‏يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن ‏الرحيم، ونزل: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" [الإسراء:110]. قال ‏الترمذي الحكيم أبو عبدالله: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن ‏زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة ‏في صلاة النهار وإن زالت العلة.‏
اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل؛ ‏فإن كان الكتاب ديوان شعر فروى مجالد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا يكتبوا ‏أمام الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وقال الزهري: مضت السنة ألا ‏يكتبوا في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وذهب إلى رسم التسمية في ‏أول كتب الشعر سعيد بن جبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين. قال أبو ‏بكر الخطيب: وهو الذي نختاره ونستحبه.‏
قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله: مبسمل، وهي لغة مولدة، وقد جاءت ‏في الشعر؛ قال عمر بن أبي ربيعة:‏
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
‏ قلت: المشهور عن أهل اللغة بسمل. قال يعقوب بن السكيت والمطرز ‏والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة: بسمل الرجل. إذا قال: بسم الله. يقال: قد ‏أكثرت من البسملة؛ أي من قول بسم الله. ومثله حوقل الرجل، إذا قال: لا ‏حول ولا قوة إلا بالله. وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله. وسبحل، إذا قال: سبحان ‏الله. وحمدل، إذا قال: الحمد لله. وحيصل، إذا قال: حي على الصلاة. ‏وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا ‏قال: أدام الله عزك. وحيفل، إذا قال: حي على الفلاح. ولم يذكر المطرز: ‏الحيصلة، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، ‏إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال: أدام الله عزك.‏
ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل؛ كالأكل والشرب والنحر؛ ‏والجماع والطهارة وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال؛ قال الله ‏تعالى: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه". [الأنعام:118]. "وقال اركبوا فيها ‏بسم الله مجراها ومرساها" [هود:41]. وقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: (أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر ‏إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله). وقال: (لو أن أحدكم إذا ‏أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما ‏رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً). وقال لعمر ‏بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك). وقال: (إن ‏الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه) وقال: (من لم يذبح فليذبح ‏باسم الله). وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم، ‏فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضع يدك على الذي تألم من ‏جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما ‏أجد وأحاذر). هذا كله ثابت في الصحيح. وروى ابن ماجة والترمذي عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا ‏دخل الكنيف أن يقول بسم الله). وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى، ثم يفرغ ‏الماء على يديه.‏
قال علماؤنا: وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول: إن أفعالهم مقدورة ‏لهم. وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء ‏بكل فعل أن نفتتح بذلك، كما ذكرنا.‏
‏ فمعنى "بسم الله" أي بالله. ومعنى "بالله" أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما ‏يوصل إليه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله. وقال بعضهم: معنى قوله ‏‏"بسم الله" يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته؛ وهذا تعليم من الله تعالى ‏عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة ‏الله جل وعز.‏
ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن "اسم" صلة زائدة، واستشهد يقول ‏لبيد:‏
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فذكر "اسم" زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما.‏
‏ وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى. وسيأتي الكلام ‏فيه في هذا الباب وغيره، إن شاء الله تعالى. ‏
اختلف في معنى زيادة "اسم"؛ فقال قطرب: زيدت لإجلال ذكره تعالى ‏وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد ‏التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله. واختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه، ‏هل دخلت على معنى الأمر؟ والتقدير: ابدأ بسم الله. أو على معنى الخبر؟ ‏والتقدير: ابتدأت بسم الله؛ قولان: الأول للفراء، والثاني للزجاج. فـ "بسم ‏الله" في موضع رفع خبر الابتداء: وقيل: الخبر محذوف؛ أي ابتدائي مستقر ‏أو ثابت باسم الله؛ فإذا أظهرته كان "بسم الله" في موضع نصب بثابت أو ‏مستقر، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار وفي التنزيل "فلما رآه مستقرا ‏عنده قال هذا من فضل ربي" [النمل:40] فـ "عنده" في وضع نصب؛ ‏روي هذا عن نحاة أهل البصرة. وقيل: التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ‏ثابت، فـ "بسم" في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي.‏
تكتب "بسم الله" بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط ‏لكثرة الاستعمال؛ بخلاف قوله: "اقرأ باسم ربك" [العلق:1] فإنها لم تحذف ‏لقلة الاستعمال. واختلفوا فيحذفها مع الرحمن والقاهر؛ فقال الكسائي وسعيد ‏الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وثاب: لا تحذف إلا مع "بسم الله" ‏فقط، لأن الاستعمال إنما كثر فيه. واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر ‏على ثلاثة معان؛ فقيل: ليناسب لفظها عملها. وقيل: لما كانت الباء لا تدخل ‏إلا على الأسماء خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء. الثالث: ‏ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما؛ نحو الكاف في قول ‏الشاعر: ‏
‏ ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا‏
أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله.‏
اسم، وزنه إفع، والذاهب منه الواو؛ لأنه من سموت، وجمعه أسماء، ‏وتصغيره سمي. واختلف في تقدير أصله، فقيل: فعل، وقيل: فعل. قال ‏الجوهري: وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن، وهو مثل جذع وأجذاع، وقفل ‏وأقفال؛ وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع. وفيه أربع لغات: اسم الكسر، ‏واسم بالضم. قال أحمد ين يحيى: من ضم الألف أخذه من سموت أسمو، ‏ومن كسر أخذه من سميت أسمي. ويقال: سم وسم، وينشد:‏
والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا
وقال آخر:‏
وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمه
‏ مبتركا لكل عظم يلحمه‏
قرضب الرجل: إذا أكل شيئا يابسا، فهو قرضاب. "سمه" بالضم والكسر ‏جميعا.‏
ومنه قول الآخر:‏
‏ باسم الذي في كل سورة سمه‏
وسكنت السين من "باسم" اعتلالا غير قياس، وألفه ألف وصل، وربما ‏جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة؛ كقول الأحوص:‏
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمى ثم يلتزم الاسما
تقول العرب في النسب إلي الاسم: سموي، وإن شئت اسمي، تركته على ‏حاله، وجمعه أسماء وجمع الأسماء أسام. وحكى الفراء: أعيذك بأسماوات ‏الله.‏
‏ اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين؛ فقال البصريون: هو مشتق من ‏السمو وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل: ‏لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره. وقيل: إنما سمي الاسم اسما ‏لأنه علا بقوته على قسمي الكلام: الحرف والفعل؛ والاسم أقوى منهما ‏بالإجماع لأنه الأصل؛ فلعلوه عليهما سمي اسما؛ فهذه ثلاثة أقوال.‏
‏ وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن ‏وضع له؛ فأصل اسم على هذا "وسم". والأول أصح؛ لأنه يقال في ‏التصغير سمي وفي الجمع أسماء؛ والجمع والتصغير سمي وفي الجمع ‏أسماء؛ والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها؛ فلا يقال: وسيم ولا ‏أوسام. ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي:‏
فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول: لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل ‏وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه ولا ‏صفاته؛ وهذا قول أهل السنة. ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول: كان ‏الله في الأزل بلا اسم ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، ‏فإذا أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة؛ وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت ‏عليه الأمة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق، تعالى الله ‏عن ذلك! وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى فذهب أهل ‏الحق فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن الاسم هو المسمى، ‏وارتضاه ابن فورك؛ وهو قول أبي عبيدة وسيبويه. فإذا قال قائل: الله عالم؛ ‏فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما، فالاسم كونه عالما وهو ‏المسمى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالق؛ فالخالق هو الرب، وهو بعينه ‏الاسم. فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل.‏
‏ قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول ‏للتسميات إلا الذات، ولذلك يقولون: الاسم غير المسمى، ومن يثبت الصفات ‏يثبت للتسميات مدلولا هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء ‏عندهم. وسيأتي لهذه مزيد بيان في "البقرة" و"الأعراف" إن شاء الله ‏تعالى.‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:18 PM
قوله: "الله" هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض ‏العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره؛ ولذلك لم يثن ولم يجمع؛ ‏وهو أحد تأويلي قوله تعالى: "وهل تعلم له سميا" [مريم:65] أي تسمى ‏باسمه الذي هو "الله". فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، ‏المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه. ‏وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ‏ولا يزال؛ والمعنى واحد.‏
واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم؟. فذهب إلى ‏الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله؛ فروى سيبويه عن ‏الخليل أن أصله إلاه، مثل فعال؛ فأدخلت الألف واللام بدلا عن الهمزة. قال ‏سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة "لا" وعليه دخلت ‏الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد:‏
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني
كذا الرواية: فتخزوني، بالخاء المعجمة ومعناه: تسوسني.‏
‏ وقال الكسائي والفراء: معنى "بسم الله" بسم الإله؛ فحذفوا الهمزة وأدغموا ‏اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة؛ كما قال عز وجل: "لكنا هو الله ‏ربي" [الكهف:38] ومعناه: لكن أنا، كذلك قرأها الحسن. ثم قيل: هو مشتق ‏من "وله" إذا تحير؛ والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل واله وامرأة والهة ‏وواله، وماء موله: أرسل في الصحارى. فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب ‏في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل "إلاه" "ولاه" وأن ‏الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة؛ وروي ‏عن الخليل. وروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي "الله" إلها، لأن الخلق ‏يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل ‏بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام) ويألهون أيضا ‏‏(بكسرها) وهما لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول ‏لكل شيء مرتفع: لاهاً، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: هو ‏مشتق من أله الرجل إذا تعبد. وتأله إذا تنسك؛ ومن ذلك قوله تعالى: ‏‏"ويذرك وإلاهتك" [الأعراف:127] على هذه القراءة؛ فإن ابن عباس ‏وغيره قالوا: وعبادتك. قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه ‏المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين: إلا إله إلا الله، معناه لا معبود غير ‏الله. و"إلا" في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء. وزعم بعضهم أن ‏الأصل فيه "الهاء" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً ‏في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه ‏موجوداً في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك ‏إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار "له" ثم زيدت فيه الألف واللام ‏تعظيماً وتفخيماً.‏
‏ القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضاً منهم الشافعي وأبو ‏المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروي عن الخليل ‏وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه. قال الخطابي: ‏والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف: دخول ‏حرف النداء عليه؛ كقولك: يا الله، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام ‏للتعريف؛ ألا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: يا الله، ‏فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم.‏
واختلفوا أيضاً في اشتقاق اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لا اشتقاق له لأنه ‏من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقاً من الرحمة لا تصل ‏بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمن بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. ‏وأيضاً لو كان مشتقاً من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ‏ينكرون رحمة ربهم، وقد قال الله عز وجل: "وإذ قيل لهم اسجدوا للرحمن ‏قالوا وما الرحمن" [الفرقان:60] الآية. ولما كتب علي رضي الله عنه في ‏صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم" ‏قال سهيل بن عمرو: أما "بسم الله الرحمن الرحيم" فما ندري ما "بسم الله ‏الرحمن الرحيم"! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، الحديث. قال ابن ‏العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، واستدل على ذلك بقولهم: وما ‏الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم ‏يقرأ الآية الأخرى: "وهم يكفرون بالرحمن" [الرعد:30] وذهب الجمهور ‏من الناس إلى أن "الرحمن" مشتق من الرحمة مبني على المبالغة؛ ومعناه ‏ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى ‏‏"الرحيم" ويجمع.‏
‏ قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه ‏عن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: ‏‏(قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن ‏وصلها وصلته ومن قطعها قطعته). وهذا نص من الاشتقاق، فلا معنى ‏للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له.‏
زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" له: أن "الرحمن" ‏اسم عبراني جاء معه بـ "الرحيم". وأنشد:‏
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: "الرحيم" ‏عربي و"الرحمن" عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه. ‏وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشاعر: وروى ‏مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: ‏مدح نفسه. قال أبو إسحاق وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون ‏جمع بينهما للتوكيد. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن. وفي التوكيد أعظم ‏الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغني عن الاستشهاد، والفائدة في ‏ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية ‏لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله.‏
واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما بمعنى واحد؛ كندمان ‏ونديم. قاله أبو عبيدة. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع ألا ‏على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للمتلىء غضباً. وفعيل قد ‏يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال عملس:‏
فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم
فـ "الرحمن" خاص الاسم عام الفعل. و"الرحيم" عام الاسم خاص الفعل. ‏هذا قول الجمهور. قال أبو علي الفارسي: "الرحمن" اسم عام في جميع ‏أنواع الرحمة، يختصر به الله. "والرحيم" إنما هو في وجهة المؤمنين؛ كما ‏قال تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيما" [الأحزاب:43]. وقال العرزمي: ‏‏"الرحمن" بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة، "والرحيم" ‏بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم. وقال ابن المبارك: "الرحمن" إذا ‏سئل أعطي، و"الرحيم" إذا لم يسأل غضب. وروى ابن ماجة في سننه ‏والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه" لفظ الترمذي. وقال ‏ابن ماجة: "من لم يدع الله سبحانه غضب عليه". وقال: سألت أبا زرعة ‏عن أبي صالح هذا، فقال: هو الذي يقال له: الفارسي وهو خوزي ولا ‏أعرف اسمه. وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:‏
‏ الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب‏
وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر ‏رحمة.‏
‏ قال الخطابي: وهذا مشكل؛ لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله ‏تعالى. وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ‏ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق ‏من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل؛ قال النبي صلى الله عليه ‏وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على ‏العنف).‏
أكثر العلماء على أن "الرحمن" مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى ‏به غيره، ألا تراه قال: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" [الإسراء:110] ‏فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال: "واسأل من أرسلنا من قبلك ‏من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" [الزخرف:45] فأخبر أن ‏‏"الرحمن" هو المستحق للعبادة جل وعز. وقد تجاسر مسيلمة الكذاب - لعنه ‏الله - فتسمى برحمان اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب ‏فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك، وأن كان كل كافر كاذباً، فقد صار هذا ‏الوصف لمسيلمة علماً يعرف به، ألزمه الله إياه. وقد قيل في اسمه الرحمن: ‏إنه اسم الله الأعظم؛ ذكره ابن العربي.‏
‏"الرحيم" صفة مطلقة للمخلوقين، ولما في "الرحمن" من العموم قدم في ‏كلامنا على "الرحيم" مع موافقة التنزيل؛ وقيل: إن معنى "الرحيم" أي ‏بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن، فـ "الرحيم" نعت محمد صلى الله ‏عليه وسلم؛ أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتم إلي، أي باتباعه وبما ‏جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي؛ والله أعلم.‏
روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله "بسم الله": إنه ‏شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما "الرحمن" هو عون لكل من ‏آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما "الرحيم"، فهو لمن تاب وآمن ‏وعمل صالحاً.‏
‏ وقد فسره بعضهم على الحروف؛ فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال: ‏‏(أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم ‏فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من ‏خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة). وروي عن كعب الأحبار أنه ‏قال: الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل ‏شيء قدير فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من ‏أسمائه؛ فالباء مفتاح اسمه بصير، والسين مفتاح اسمه سميع، والميم مفتاح ‏اسمه مليك، والألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والهاء ‏مفتاح اسمه هادي، والراء مفتاح اسمه رازق، والحاء مفتاح اسمه حليم، ‏والنون مفتاح اسمه نور؛ ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل ‏شيء.‏
واختلف في وصل "الرحيم" بـ "الحمد لله"؛ فروي عن أم سلمة عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "الرحيم. الحمد" يسكن الميم ويقف عليها، ويبتدئ ‏بألف مقطوعة. وقرأ به قوم من الكوفيين. وقرأ جمهور الناس: "الرحيم ‏الحمد"، تعرب "الرحيم" بالخفض وبوصل الألف من "الحمد". وحكى ‏الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ "الرحيمَ الحمد" بفتح الميم وصلة ‏الألف؛ كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم ‏وحذفت. قال ابن عطية: ولم ترو عن هذه قراءة عن أحد فيما علمت. وهذا ‏نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: "الَم الله". ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:19 PM
الكشاف للزمخشرى


بسم اَللَّهِ الرَّحمَنِ اَلرَّحِيمِ قراء المدينة والبصرة والشأم‎ ‎وفقهاؤها على أن ‏التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما كتبت‎ ‎للفصل ‏والتبرك بالابتداء بها كما بدئ بذكرها في كل أمر في بال وهو مذهب أبي ‏حنيفة‎ ‎رحمه اللّه ومن تابعه ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة‏.‏‎ ‎
وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة‎ ‎وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله ولذلك يجهرون بها‏.‏‎ ‎
وقالوا‏:‏ قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن‏‎ ‎ولذلك لم ‏يثبتوا ‏"‏آمين‏"‏ فلولا أنها من القرآَن لما أثبتوها‏.‏‎ ‎
وعن ابن عباس‏:‏ ‏"‏ من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة اية من كتاب‏‎ ‎الله ‏تعالى ‏"‏ فإن قلت‏:‏ بم تعلقت الباء قلت‏:‏ بمحذف تقديره‏:‏ بسم الله أقرأ أو‏‎ ‎أتلو ‏لأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال‏:‏ بسم ‏الله‎ ‎والبركات كان المعنى‏:‏ بسم الله أحل وبسم الله أرتحل كذلك الذابح وكل ‏فاعل يبدأ في‎ ‎فعله ب ‏"‏ بسم الله ‏"‏ كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له‏.‏‎ ‎
ونظيره في حذف متعلق الجار قوله عز وجل‏:‏ ‏"في تسع آيات إلى فرعون‎ ‎وقومه‏"‏ النمل‏:‏ أذهب في تسع آيات‏.‏‎ ‎
وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس‏:‏ بالرفاء والبنين‏.‏‎ ‎
وقول الأعرابي‏:‏ باليمن والبركة بمعنى أعرست أو نكحت‏.‏‎ ‎
ومنه قوله‏:‏ فقلُتُ إلى الطعام فقال مِنهُم فَرِيق نحسُدُ الإِنسَ‏‎ ‎الطعَامَا فأن قلت‏:‏ ‏لم قدرت المحذوف متأخراً قلت‏:‏ لأن الأهم من الفعل والمتعلق‏‎ ‎به هو ‏المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء ألهتهم فيقولون‏:‏ باسم اللات باسم‏‎ ‎العزى فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء ‏وذلك بتقديمه‎ ‎وتأخير الفعل كما فعل في قوله‏:‏ ‏"‏إِياكَ نَعبُدُ ‏"‏ حيث صرح ‏بتقديم الاسم إرادة‎ ‎للاختصاص‏.‏‎ ‎
والدليل عليه قوله‏:‏ ‏"‏‎ ‎بسم اللّه مجراها‎ ‎ومرساها‎ ‎‏"‏ هود‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ فقد قال‏:‏ ‏"‏‎ ‎اقرأ باسم ربك‎ ‎‏"‏‎ ‎العلق‏:‏ ا فقدم الفعل‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أؤل سورة نزلت فكان الأمر‏‎ ‎بالقراءة أهم‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة قلت‏:‏ فيه وجهان‏:‏‎ ‎أحدهما أن يتعلق ‏بها تعلق القلم بالكتبة في قولك‏:‏ كتبت بالقلم على معنى أن المؤمن‏‎ ‎لما اعتقد ‏أن فعله لا يجيء معتدأ به في الشرع واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم‎ ‎الله لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو‏‎ ‎أبتر ‏"‏ إلا كان فعلا كلا فعل جعل فعله مفعولاً باسم الله بهما كما يفعل الكتب‏‎ ‎بالقلم‏.‏‎ ‎
والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله‏:‏ ‏"‏‎ ‎تنبت بالدهن‎ ‎‏"‏‎ ‎المؤمنون‏:‏ على معنى‏:‏ متبركأ بسم الله أقرأ وكذلك قول الداعي للمعرس‏:‏ ‏بالرفاء‎ ‎والبنين معناه أعرست ملتبسأ بالرفاء والبنين وهذا الوجه أعرب ‏وأحسن فان قلت‏:‏ فكيف‏‎ ‎قال اللّه تبارك وتعالى متبركأ باسم الله أقرأ قلت‏:‏ ‏هذا مقول على ألسنة العباد‎ ‎كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره وكذلك‏:‏ ‏‏"‏‎ ‎الحمد لله رب‎ ‎العالمين‎ ‎‏"‏ إلى آخره وكثير من القرآن على هذا المنهاج ‏ومعناه تعليم‎ ‎عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يحمدونه ويمجدونه ‏ويعظمونه‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى ‏على‎ ‎الفتحة التي هي أخت السكون نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو ‏العطف وفائه وغير‎ ‎ذلك فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء وأما الباء‎ ‎فلكونها لازمة ‏للحرفية والجر والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على‎ ‎السكون ‏فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم‎ ‎أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة ‏ولوضعها على‎ ‎غاية من الإحكام والرصانة واذا وقعت في الدرج لم تفتقر ‏إلى زيادة شيء‏.‏‎ ‎
ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال‏:‏ سم وسم‏.‏‎ ‎
قال‏:‏ بِاسمِ الذي في كل سُورةٍ سِمُة وهو من الأسماء المحذوفة‏‎ ‎الأعجاز‏:‏ كيد ‏ودم وأصله‏:‏ سمو بدليل تصريفه‏:‏ كأسماء وسمي وسميت واشتقاقه من‏‎ ‎السمو لأن التسمية تنويه بالمسمى واشادة بذكره ومنه قيل للقب النبز‏:‏ من ‏النبز‎ ‎بمعنى النبر وهو رفع الصوت‏.‏‎ ‎
والنبز قشر النخلة‏!‏ الأعلى‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ فلم حذفت الألفَ فْي الخط وأثبتت في قوله‏:‏ باسم ربك‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع‏‎ ‎الخط ‏لكثرة الاستعمال وقالوا‏:‏ طُوٌ لَتِ الباء تعويضأ من طرح الألف‏.‏‎ ‎
وعن عمر بن عبد العزيزأنه قال لكاتبه‏:‏ طؤل الباء وأظهر السنات‏‎ ‎ودور ‏الميم‏.‏‎ ‎
والله أصله الإله‏.‏‎ ‎
قال‏:‏ مَعَاذَ الإِلهِ أَن تَكُونَ كظَبية ونظيره‏:‏ الناس أصله‏‎ ‎الأناس‏.‏‎ ‎
قال‏:‏ إن المَنايَا يطلعن عَلَى الإِنَاسِ الآمِنِينَا فحذفت‏‎ ‎الهمزة وعوض منها ‏حرف التعريف ولذلك قيل في النداء‏:‏ يا ألله بالقطع كما يقال‏:‏‎ ‎يا إله والإله ‏من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ‏ثم‎ ‎غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا ‏وكذلك السنة على‎ ‎عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب ‏سيبويه‏.‏‎ ‎
وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره‏.‏‎ ‎
ومن هذا الاسم اشتق‏:‏ تأله وأله واستأله‏.‏‎ ‎
كما قيل‏:‏ استنوق واستحجر في الاشتقاق من الناقة والحجر‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ أاسم هو أم صفة، قلت‏:‏ بل اسم غير صفة ألا تراك تصفه‏‎ ‎ولا ‏تصف به لا تقول‏:‏ شيء إله كما لا تقول‏:‏ شيء رجل‏.‏‎ ‎
وتقول‏:‏ إله واحد صمد كما تقول‏:‏ رجل كريم خير‏.‏‎ ‎
وأيضاً فان صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجرى عليه فلو جعلتها‎ ‎كلها ‏صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ هل لهذا الاسم اشتقاق‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداَ معنى واحد وصيغة‏‎ ‎هذا ‏الاسم وصيغة قولهم‏:‏ أله إذا تحير ومن أخواته‏:‏ دله وعله ينتظمهما معنى‏‎ ‎التحير والدهشة وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ‏ولذلك كثر‎ ‎الضلال وفشا الباطل وقل النظر الصحيح‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ هل تفخم لأمه قلت‏:‏ نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة‏‎ ‎وعلى ‏ذلك العرب كلهم واطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر‏.‏‎ ‎
والرحمن فعلان من رحم كغضبان وسكران من غضب وسكر وكذلك ‏الرحيم فعيل‎ ‎منه كمريض وسقيم من مرض وسقم وفي الرحمن من المبالغة ‏ما ليس في الرحيم ولذلك‎ ‎قالوا‏:‏ رحمان الدنيا والاحزة ورحيم الدنيا ‏ويقولون‏:‏ إن الزيادة في البناء‏‎ ‎لزيادة المعنى‏.‏‎ ‎
وقال الزجاج في الغضبان‏:‏ هو الممتلئ غضباً‏.‏‎ ‎
ومما طَن على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركباً من مراكبهم‎ ‎بالشقدف‏.‏‎ ‎
وهو مركب خفيف ليس في ثقل معامل العراق فقلت في طريق الطائف ‏لرجل‎ ‎منهم ما اسم هذا المحمل أردت المحمل العراقي فقال‏:‏ أليس ذاك اسمه ‏الشقدف‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ بلى فقال‏:‏ هذا اسمه الشقنداف فزاد في بناء الاسم لزيادة‏‎ ‎المسمى وهو ‏من الصفات الغالبة - كالدبران والعيوق والصعق لم يستعمل في غير الله‏‎ ‎عزوجل كما أنا الله من الأسماء الغالبة‏.‏‎ ‎
وأما قول بني حنيفة في مسيلمة‏:‏ رحمان اليمامة وقول شاعرهم فيه‏:‏‎ ‎
فباب من تعنتهم في كفرهم‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ كيف تقول‏:‏ الله رحمان أتصرفه أم لا قْلت‏:‏ أقيسه على‏‎ ‎أخواته من ‏بابه أعني‏:‏ نحو عطشان وغرثان وسكران فلا أصرفه‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى ‏واختصاصه‎ ‎باللّه يحظر أن يكون فعلان فعلى فلم تمنعه الصرف‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن ‏يكون‎ ‎له مؤنث على فعلانة كندمانة فإذاً لا عبرة بامتناع التأنيث ‏للاختصاص العارض فوجب‎ ‎الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو ‏القياس على نظائره‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ ما معنى وصف الله تعالى بالرحمةومعناها العطف والحنو‎ ‎ومنها ‏الرحم لانعطافها على ما فيها‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ هو مجاز عن إنعامه على عبادة لأن الملك إذا عطف على رعيته‏‎ ‎ورق لهم أصابهم بمعروفه وانعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة ‏عنف بهم ومنعهم‎ ‎خيره ومعروفه‏.‏‎ ‎
فان قلت‏:‏ فلم قذم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه والقياس‎ ‎الترقي ‏من الأدنى إلى الأعلى كقولهم‏:‏ فلان عالم نحرير وشجاع باسل وجواد ‏فياض‎ ‎قلت‏:‏ لما قال ‏"‏ اَلرخمَنِ ‏"‏ فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها ‏أردفه‎ ‎الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:21 PM
فتح القدير للشوكانى

‏"بسم الله الرحمن الرحيم" اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول ‏كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة، أو هي ‏كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما ‏كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك. وقد ‏اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل. وقد جزم قراء مكة والكوفة ‏بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة. وخالفهم قراء المدينة والبصرة ‏والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، قالوا: ‏وإنما كتبت للفصل والتبرك. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن ‏عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة ‏حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه الحاكم في المستدرك. ‏وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة "أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية" وفي ‏إسناده عمرو بن هارون البلخي وفيه ضعف، وروى نحوه الدارقطني ‏مرفوعاً عن أبي هريرة. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في ‏الجهر بها في الصلاة. وقد أخرج النسائي في سننه، وابن خزيمة وابن ‏حبان في صحيحهما، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة "أنه صلى ‏فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول ‏الله صلى الله عليه وسلم" وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي ‏وغيرهم. وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس:" أن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم "قال الترمذي: ‏وليس إسناده بذاك. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ‏بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن ‏الرحيم" ثم قال صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل ‏عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءته مداً، ثم قرأ ‏بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وأخرج ‏أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم ‏في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم "الحمد لله رب العالمين * ‏الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين "" وقال الدارقطني: إسناده صحيح. ‏واحتج من قال: بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم ‏عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة ‏بالتكبير، والقراءة بـ "الحمد لله رب العالمين"". وفي الصحيحين عن أنس ‏قال: "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ‏فكانوا يستفتحون بـ "الحمد لله رب العالمين"". ولمسلم "لا يذكرون بسم ‏الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها". وأخرج أهل السنن ‏نحوه عن عبد الله بن مغفل. وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من ‏الصحابة. وأحاديث الترك وإن كانت أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه ‏خارجاً من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى ولا سيما مع إمكان تأويل ‏الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني ‏الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. ولتنقيح ‏البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية ‏موضع غير هذا. ومتعلق الباء محذوف وهو أقرأ أو أتلو لأنه المناسب ‏لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن قدره متقدماً كان غرضه الدلالة بتقديمه ‏على الاهتمام بشأن الفعل، ومن قدره متأخراً كان غرضه الدلالة بتأخيره ‏على الاختصاص مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم ‏والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون التبرك حصل به، وبهذا يظهر ‏رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام، ولا يعارضه قوله تعالى: ‏‏"اقرأ باسم ربك الذي خلق" لأن ذلك المقام مقام القراءة، فكان الأمر بها ‏أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق ‏بذلك كثير فائدة. والباء للاستعانة أو للمصاحبة، ورجح الثاني ‏الزمخشري. واسم أصله سمو حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي ‏بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع ‏الابتداء بالساكن، وهو اللفظ الذال على المسمى، ومن زعم أن الاسم هو ‏المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن فورك، وحكاه ‏الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما ‏لا يعقل، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من ‏السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو ‏أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث ‏مبسوط في علم الكلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ‏‏"إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" وقال الله عز وجل: ‏‏"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" وقال تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا ‏الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى". والله علم لذات الواجب ‏الوجود لم يطلق على غيره، وأصله إله حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة ‏التعريف فلزمت. وكان قبل الحذف من أسماء الله الأجناس يقع على كل ‏معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كالنجم والصعق، فهو ‏قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعده من الأعلام المختصة. والرحمن ‏الرحيم: إسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة، ورحمن أشد ‏مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا، ‏ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا. وقد تقرر أن زيادة البناء ‏تدل على زيادة المعنى. وقال ابن الأنباري والزجاج: إن الرحمن عبراني ‏والرحيم عربي وخالفهما غيرهما. والرحمن من الصفات الغالبة لم ‏يستعمل في غير الله عز وجل. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن ‏اليمامة، فقال في الكشاف: إنه باب من تعنتهم في كفرهم. قال أبو علي ‏الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، ‏والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين، قال الله تعالى: "وكان بالمؤمنين ‏رحيماً" وقد ورد في فضلها أحاديث. منها ما أخرجه سعيد بن منصور ‏في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس قال: ‏استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم. ‏وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال: "كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي بسم ‏الله الرحمن الرحيم". وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في ‏المستدرك، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس "أن عثمان ‏بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم ‏فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين ‏سواد العين وبياضها من القرب". وأخرج ابن جرير وابن عدي في ‏الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق، ‏والثعلبي بسند ضعيف جداً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه، ‏فقال له المعلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له عيسى، وما بسم ‏الله الرحمن الرحيم؟ قال المعلم: لا أدري، فقال له عيسى: الباء بهاء الله، ‏والسين سناه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا ‏والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة" وفي إسناده إسماعيل بن يحيى وهو ‏كذاب. وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات. وأخرج ابن ‏مردويه والثعلبي عن جابر قال: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب ‏الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ‏ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا تسمى على ‏شيء إلا بارك فيه. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت: لما نزلت ‏بسم الله الرحمن الرحيم ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها، فقالوا: ‏سحر محمد الجبال، فبعث الله دخاناً حتى أظل على أهل مكة، فقال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موقناً ‏سبحت معه الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها". وأخرج الديلمي عن ابن ‏مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بسم الله ‏الرحمن الرحيم كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه ‏أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة". وأخرج الخطيب في ‏الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب". وهذه الأحاديث ينبغي ‏البحث عن أسانيدها والكلام عليها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله. وقد ‏شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، ‏وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك. ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:23 PM
ابن عاشور

‏ البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادة مؤلفة من حروف الكلمتين ‏‏(باسم)و(الله) على طريقة تسمى النحت، وهو صوغ فعل مضي على زنة فعلل مؤلفة ‏مادته من حروف جملة أو حروف مركب إضافي، مما ينطق به الناس اختصارا عن ذكر ‏الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة. وقد استعمل العرب النحت ‏في النسب إلى الجملة أو المراكب إذا كان في النسب إلى صدر ذلك أو إلى عجزه التباس، ‏كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس عبشمي خشية الالتباس بالنسب إلى عبد أو إلى شمس، ‏وفي النسبة إلى عبد الدار عبدري كذلك والى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب ‏الإضافة أي النسب إلى المضاف من الأسماء: وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسما بمنزلة ‏جعفري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف اه، ‏فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر ‏دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية. قال ‏الراعي‎: ‎قوم على الإسلام لما يمنعوا‎ ‎ماعونهم ويضيعوا التهليلا أي لم يتركوا قول لا إله إلا ‏الله . وقال عمر بن أبي ربيعة‎: ‎لقد بسملت ليلى غداة لقيتهـا‎ ‎ألا حبذا ذاك الحبيب ‏المبسمل أي قالت بسم الله فرقا منه، فأصل بسمل قال: بسم الله، ثم أطلقه المولدون على ‏قول: بسم الله الرحمن الرحيم، اكتفاء واعتمادا على الشهرة وإن كان هذا المنحوت خليا ‏من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم: بسمل، في معنى ‏قال: بسم الله الرحمن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو البسملة كما اشتق من ‏هلل مصدر هو الهيللة وهو مصدر قياسي لفعلل. ‏
‏ واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول. ‏
‏ ورأيت في شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب في باب الأذان عن المطرز ‏في كتاب اليواقيت: الأفعال التي نحتت من أسمائها سبعة: بسمل في بسم الله، وسبحل في ‏سبحان الله، وحيعل في حي على الصلاة، وحوقل في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحمدل في ‏الحمد لله، وهلل في لا إله إلا الله، وجيعل إذا قال جعلت فداك، وزاد الطيقلة في أطال الله ‏بقاءك، والد معزة في أدام الله عزك. ‏
‏ ولما كان كثير من أئمة الدين قائلا بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض ‏السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض ‏السور. وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث. ‏
‏ الأول في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا. الثاني في حكم الابتداء بها عند القراءة. ‏الثالث في تفسير معناها المختص بها‎. ‎
‎ ‎



‏ فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ بسم الله الرحمان الرحيم ‏هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى )إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم( ‏كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، ‏وروي فيه حديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع لم يروه ‏أصحاب السنن ولا المستدركات، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة ‏رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ‏ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف ‏في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن ‏البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف ‏بينهم ليس في كونها قرآنا، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في ‏البداية، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة وقيل باستثناء عبد الله بن ‏عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من ‏سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة ‏والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن ‏مبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة. ولم ينقل عن ‏أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب الكشاف أنها ليست من السور ‏عنده فعده في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه. قال عبد الحكيم ‏لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور ‏الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين. ‏
‏ وأزيد فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئا عن القراءة. ‏
‏ أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك: أحدها من طريق النظر، والثاني من ‏طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي. ‏
‏ فأما المسلك الأول فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابعه أبو بكر ابن ‏العربي في أحكام القرآن والقاضي عبد الوهاب في كتاب الاشراف، قال الباقلاني: لو ‏كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول باطل لأنه لو ‏ثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين ‏الأمة، والثاني أيضا باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى إثبات ‏القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنيا، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء ‏الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف اه وهو كلام وجيه ‏والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا ‏تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها . زاد أبو بكر بن العربي ‏في أحكام القرآن فقال: يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف ‏فيه اه. وزاد عبد الوهاب فقال: إن رسول الله بين القرآن بيانا واحدا متساويا ولم تكن ‏عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان؛ ولذلك قطعنا بمنع ‏أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حمل جمل عند ‏الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبينها رسول الله بيانا شافيا اه. ‏
‏ وقال ابن العربي في العارضة: إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في ‏هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول‎. ‎
‎ ‎


‏ وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في المستصفى فقال نفى كون البسملة من ‏القرآن أيضا إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف أي وهو ظاهر البطلان وإن ثبت ‏بالآحاد يصير القرآن ظنيا، قال ولا يقال إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا ‏يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنا نجيب بأن هذا وإن كان ‏عدما إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فها هنا لا ‏يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن ‏الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه اه، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في تفسيره ولا ‏يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى ‏رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي. ‏وتعقب ابن رشد في بداية المجتهد كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به. ‏
‏ وأما المسلك الثاني وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن ‏البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة: الدليل الأول: ما روى مالك في الموطأ عن ‏العلاء بن عبد الرحمن إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى ‏قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، ‏يقول العبد الحمد لله رب العالمين فأقول حمدني عبدي إلخ، والمراد في الصلاة القراءة في ‏الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم. ‏
‏ الثاني: حديث أبي بن كعب في الموطأ والصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال له: ألا أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها قبل أن تخرج من ‏المسجد? قال: بلى، فلما قارب الخروج قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة? قال أبي: ‏فقرآت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها ‏البسملة. ‏
‏ الثالث: ما في صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي عن أنس بن مالك من طرق ‏كثيرة أنه قال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب ‏العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في أول قراءة ولا في آخرها. ‏
‏ الرابع: حديث عائشة في صحيح مسلم وسنن أبي داود قالت: كان رسول الله يستفتح ‏الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. ‏
‏ الخامس: ما في سنن الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مغفل قال: صليت مع النبي وأبي ‏بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقول بسم الله الرحمن الرحيم، إذا أنت صليت ‏فقل الحمد لله رب العالمين. ‏
‏ السادس: وهو الحاسم: عمل أهل المدينة، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى ‏زمن مالك، صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة ‏وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة الجهرية، وهل يقول ‏عالم ان بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبي والخلفاء لم يجهروا بها ‏في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها. ‏
‏ وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة، في بدء الوحي إلى رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم، وهو معتبر مرفوعا إلى النبي، وذلك قوله ففجئه الملك فقال: اقرأ قال ‏رسول الله فقلت ما أنا بقارئ إلى أن قال فغطني الثالثة ثم قال )اقرأ باسم ربك الذي ‏خلق( الحديث. فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ بسم ربك، وقد ذكروا هذا ‏في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي‏‎. ‎
‎ ‎


‏ وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على ‏مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر ‏لفظان وهما الرحمن الرحيم في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد ‏في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في تفسيره وأجاب عنه بقوله: إن ‏التكرار لآجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحمانا رحيما من أعظم ‏المهمات0 وأنا أدفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل ‏التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض ‏التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحمانا رحيما، ولأن شأن التوكيد ‏اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى ‏التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين ‏الكررين بعدا يقصيه عن السمع، وقد علمت أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من ‏كثرة التكرار، والقرب بين الرحمن والرحيم حين كررا يمنع ذلك. وأجاب البيضاوي بأن ‏نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد، فقال السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما ‏قاله بعض الحنفية: إن البسملة لو كانت من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم ‏لأنه إذا كان التعليل قاضيا بذكر صفتي الرحمن الرحيم فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة ‏التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا )بسم الله الحمد لله الخ(. ‏
‏ وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون ‏البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القول أن تكون فواتح سور القرآن كلها متماثلة ‏وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء ‏البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام وخاتمته، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة ‏على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يدعى أن فواتح سورة جملة واحدة، ‏مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ‏ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ الكلام. ‏
‏ وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة فأمور كثيرة أنهاها فخر ‏الدين إلى سبع عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح المتداخل والخارج عن محل ‏النزاع وضعيف السند أو واهية إلا أمران: أحدهما أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة ‏أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فاتحة الكتاب سبع آيات. أولاهن بسم الله الرحمن ‏الرحيم . وقول أم سلمة: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد )بسم الله ‏الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين( آية. ‏
‏ الثاني: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله. ‏
‏ والجواب أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما خرجه ‏الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض الأحاديث ‏الصحيحة، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي داود وأخرجه ‏أحمد بن حنبل والبيهقي، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي بأنه رواه ابن أبي ‏مليكة، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة، يعني أنه مقطوع، على أنه روى عنها ‏ما يخالفه، على أن شيخ الإسلام زكريا قد صرح في حاشيته على تفسير البيضاوي بأنه لم ‏يرو باللفظ المذكور وإنما روى بألفاظ تدل على أن )بسم الله( آية وحدها، فلا يؤخذ منه ‏كونها من الفاتحة، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه ‏المسلمون. ‏
‏ وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فالجواب: أنه لا يقتضي إلا أن ‏البسملة قرآن وهذا لا نزاع فيه، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في المصحف مما تجب ‏قراءتها فيها، فذلك أمر يتبع رواية القراء وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة‎. ‎
‎ ‎


‏ وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية أو مدنية في ‏المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في حاشية ‏البيضاوي، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر كلام المفسرين ‏والأصوليين والقراء كما في لطائف الإشارات للقسطلاني وهو مقتضى كتابة المتأخرين ‏لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ما فعله السلف فالاحتجاج حينئذ بالكتابة ‏باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت بلون مخالف لحبر القرآن، يرده أن ‏المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون واحد ولم يكن التلوين فاشيا. ‏
‏ وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبي، فقال: ‏كانت مدا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم، اه. ولا ‏حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد عائدان إلى أنس، وإنما جاء بالبسملة على وجه ‏التمثيل لكيفية القراءة لشهرة البسملة. ‏
‏ وحجة عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي، ما رواه مسلم عن أنس، قال بينا رسول ‏الله بين أظهرنا ذات يوم إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا ما أضحكك يا رسول ‏الله، قال أنزلت على سورة آنفا فقرأ )بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر( ‏السورة، قالوا وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في ‏المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا آمين ‏في الفاتحة. والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل ‏افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل تقدير أستعيذ باسم ‏الله وحذف متعلق الفعل، ويتعين حمله على نحو هذا لأن راويه أنسا بن مالك جزم في ‏حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في الصلاة. ‏
‏ فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطرابا يوجب سقوطها. ‏
‏ والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور، أنها كتبت للفصل بين السور ليكون الفصل ‏مناسبا لابتداء المصحف، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن، وقد روى أبو داود في سننه ‏والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال. قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم ‏إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم ‏تكتبوا بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم ، قال عثمان كان النبي لما تنزل عليه الآيات ‏فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها كذا ‏وكذا، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه ‏بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض ‏رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتها في السبع الطوال ولم ‏أكتب بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم . ‏
‏ وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غير الأنفال وبراءة إلا حين ‏جمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان، وأنها لم تكن مكتوبة في أوائل السور في ‏الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت لكل سورة صحيفة مفردة ‏كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير‎. ‎
‎ ‎


‏ وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غير براءة، أو آية من أول ‏سورة الفاتحة فقط، أو ليست بآية من أول شيء من السور؛ فإن القراء اتفقوا على قراءة ‏البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة. ورووا ذلك عمن تلقوا، فأما ‏الذين منهم يروون اجتهادا أو تقليدا أن البسملة آية من أول كل سورة غير براءة، فأمرهم ‏ظاهر، وقراءة البسملة في أوائل السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها، وأما ‏الذين لا يروون البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة ‏في أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تعلل بالتيمن ‏باقتفاء أثر كتاب المصحف، أي قصد التشبه في مجرد ابتداء فعل تشبيها لابتداء القراءة ‏بابتداء الكتابة. فتكون قراءتهم البسملة أمرا مستحبا للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة ‏الكاتبون للمصحف، فقراءة البسملة عند هؤلاء نظير النطق بالاستعاذة ونظير التهليل ‏والتكبير بين بعض السور من آخر المفصل، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة، ‏وهؤلاء إذا قرأوا في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر البسملة ‏من اجتهاد أو تقليد. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم قول لهم بأن البسملة آية ‏من أول كل سورة كما فعل صاحب الكشاف والبيضاوي. ‏

أحمد سعد الدين
01-20-2004, 09:24 PM
واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورة من أولها، أي في قراءة البسملة ‏بين السورتين. ‏
‏ فورش عن نافع في أشهر الروايات عنه وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوب، ‏وخلف، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبه بفعل كتاب المصحف خاص ‏بالابتداء، وبحملهم رسم البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على ‏الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة والتي تليها لما كتبت في أول ‏سورة الفاتحة، فكان صنيعهم وجيها لأنهم جمعوا بين ما رووه عن سلفهم وبين دليل قصد ‏التيمن، ودليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة. ‏
‏ وقالون عن نافع وابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ‏ما بين الأنفال وبراءة، وعدوه من سنة القراءة، وليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ‏ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، ولعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كتاب المصحف في ‏الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي قبلها. ‏
‏ واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفا، ووجهه ‏الأئمة بوجوه أخر تأتى في أول سورة براءة، وذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن مؤرجا ‏السدوسي البصري سمع رجلا يقول أمير المؤمنين يرد على المظلوم فرجع مؤرج إلى ‏مصحفه فرد على براءة بسم الله الرحمن الرحيم، ويحمل هذا الذي صنعه مؤرج إن صح ‏عنه إنما هو على التمليح والهزل وليس على الجد‎. ‎
‎ ‎


‏ وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ‏ابتداء ووصلا كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في ‏الصلاة تجري على إحكام النظر في الأدلة وليست مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، ‏وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية ‏القرآن من تواتر ودونه، ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير، فالقارئ يقرأ كما روى عن ‏معلميه ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، تجري أعمالهم ‏في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد، ويوضح غلط من ظن أن خلاف ‏الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح تسامح صاحب ‏الكشاف في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء. وإنما اختلف المجتهدون لأجل ‏الأدلة التي تقدم بيانها، وأما الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالبا في هاته المسألة فسببه ‏شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي ‏تلقاها المجتهدون من مشايخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد مثل سبق ‏نافع بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكا تلقى ‏أدلة نفي الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم. وإذ قد ‏كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة ‏البقرة كان حقا علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في ‏سورة النمل )إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم( غير أننا لما وجدنا من سلفنا ‏من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ‏ذلك مصطلح المفسرين. ‏
‏ واعلم أن متعلق المجرور في بسم الله محذوف تقديره هنا أقرأ، وسبب حذف متعلق المجرور ‏أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فحذف متعلق المجرور فيها حذفا ملتزما ‏إيجازا اعتمادا على القرينة، وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر ‏بقوله )فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون( وذكر صاحب الكشاف أن أهل ‏الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم باسم اللات باسم العزى فالمجرور ظرف لغو ‏معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفا مستقرا مثل الظروف التي تقع أخبارا، ‏ودليل المتعلق ينبئ عنه العمل الذي شرع فيه فتعين أن يكون فعلا خاصا من النوع الدال ‏على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلق العام مثل: أبتدئ، لأن القرينة الدالة على المتعلق ‏هي الفعل المشروع فيه المبدوء بالبسملة، فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك ‏الفعل، ولا يجري في هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسما ‏نحو كائن أو مستقر أم فعلا نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة ‏أخبارا أو أحوالا بناء على تعارض مقتضى تقدير الاسم وهو كونه الأصل في الأخبار ‏والحالية، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل لأن ما هنا ظرف لغو، ‏والأصل فيه أن يعدي الأفعال ويتعلق بها، ولأن مقصد المبتدئ بالبسملة أن يكون جميع ‏عمله ذلك مقارنا لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظا دالا على ‏الفعل المشروع فيه، وهو أنسب لتعميم التيمن لأجزاء الفعل، فالابتداء من هذه الجهة أقل ‏عموما، فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به. ‏وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمعرس بالرفاء والبنين ‏‏ وقول المسافر عند حلوله وترحاله باسم الله والبركات وقول نساء العرب عندما يزففن ‏العروس باليمن والبركة وعلى الطائر الميمون ولذلك كان تقدير الفعل هاهنا واضحا. ‏وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليبتدئ بها كل شارع في فعل فلا ‏يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه، والحذف هنا من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد ‏يصرح به في الكلام، بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو: عندك خير، فإنهم لا ‏يظهرون المتعلق فلا يقولون: خير كائن عندك، ولذلك عدوا نحو قوله: فإنك كالليل ‏الذي هو مدركي‎ ‎


‏ من المساواة دون الإيجاز يعني مع ما فيه من حذف المتعلق . وإذ قد كان المتعلق محذوفا ‏تعين أن يقدر في موضعه متقدما على المتعلق به كما هو أصل الكلام؛ إذ لا قصد هنا ‏لإفادة البسملة الحصر، ودعوى صاحب الكشاف تقديره مؤخرا تعمق غير مقبول، لا ‏سيما عند حالة الحذف، فالأنسب أن يقدر على حسب الأصل. ‏
‏ والباء باء الملابسة، هي المصاحبة، وهي الإلصاق أيضا فهذه مترادفات في الدلالة على هذا ‏المعنى وهي كما في قوله تعالى )تنبت بالدهن( وقولهم بالرفاء والبنين وهذا المعنى هو اكثر ‏معاني الباء وأشهرها، قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها ‏ولذلك قال صاحب الكشاف وهذا الوجه أي الملابسة أعرب وأحسن أي أحسن من ‏جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء ‏الفعل لاسمه تعالى. ‏
‏ والاسم لفظ جعل دالا على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها. وجعله أئمة ‏البصرة مشتقا من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو بتأويل فإن أصل ‏الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به، وهذا اعتداد ‏بالأصل والغالب، وإلا فقد توضع الأعلام لغير ما يهتم به كما قالوا فجار علم للفجرة. ‏فأصل صيغته عند البصريين من الناقص الواوي فهو إما سمو بوزن حمل، أو سمو بوزن قفل ‏فحذفت اللام حذفا لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على ‏الحرف الباقي، لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدر على الحرف المحذوف ‏كما في نحو قاض وجوار، فلما جرى الأعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكنا نقلوا ‏سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن؛ إذ العرب لا ‏تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف، وقد قضوا باجتلاب الهمزة ‏وطرا ثانيا من التخفيف وهو عود الكلمة إلى الثلاثي لأن الأسماء التي تبقى بالحذف على ‏حرفين كيد ودم لا تخلو من ثقل، وفي هذا دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف ‏المحذوف وإلا لاجتلبوها في يد ودم وغد. ‏
‏ وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن أفعال، فظهرت في آخره همزة ‏وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع، وبأنه جمع على أسامي وهو جمع الجمع ‏بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها كما في أثافي وأماني، وبأنه ‏صغر على سمي. وأن الفعل منه سميت، وهي حجج بينة على أن أصله من الناقص الواوي. ‏وبأنه يقال سمى كهدى؛ لأنهم صاغوه على فعل كرطب فتنقلب الواو المتحركة ألفا إثر ‏الفتحة وأنشدوا على ذلك قول أبي خالد القناني الراجز‎: ‎والله أسماك سمى مباركا‎ ‎آثرك الله ‏به إيثـاركـا‎ ‎


‏ وقال ابن يعيش: لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سم والنصب فيه نصب إعراب ‏لا نصب الإعلال، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ذلك. وعندي ‏فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء هم الذين ظنوه مقصورا، على ‏أن قياسها الكتابة بالألف مطلقا لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب. ‏ورأى البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. وذهب الكوفيون إلى أن أصله وسم ‏بكسر الواو لأنه من السمة وهي العلامة، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى ‏على ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل، وكأنهم رأوا أن لا وجه لاشتقاقه ‏من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمت وجه الجواب، ورأى الكوفيين ‏أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف، على أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما ‏حذف صدره. وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل أن تكون تلك التصاريف ‏من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم، ثم نقلت الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت ‏لاما ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي ‏أصله، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في ‏سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل تلك الكلمة. وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف ‏هي التي يعرف بها الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره. وزعم ابن حزم في كتاب الملل ‏والنحل أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن ‏لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة، وقد قال ‏تعالى )فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(. ‏
‏ وإنما أقحم لفظ اسم مضافا إلى علم الجلالة إذ قيل: بسم الله، ولم يقل بالله لأن المقصود ‏أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد فلذلك ‏تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد كالتسمية على النسك قال تعالى )فكلوا ‏مما ذكر اسم الله عليه( وقال )وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه( وكالأفعال التي ‏يقصد بها ا