المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفة الصلاة وأسرارها


أحمد سعد الدين
01-13-2004, 03:44 AM
1 / 13


صفة الصلاة وأسرارها




قال تعالى:‏
‏- وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين.‏
‏- واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.‏
‏- حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين.‏
‏- إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا.‏
‏- والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين.‏
‏- واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ..‏
‏- قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلاة ..‏
‏- رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ..‏
‏- وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.‏
‏- رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.‏
‏- إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.‏
‏- وهم على صلاتهم يحافظون.‏
‏- قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون.‏
‏- قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين.‏

قال صلى الله عليه وسلم:‏
‏- خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن ‏شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أ، يدخله الجنة، ومن لم يأت ‏بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة. ‏
‏(أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان من حديث عبادة ابن ‏الصامت وصححه ابن عبد البر).‏
‏- مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل ‏يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقى من درنه . قالوا: لا شئ. قال صلى ‏الله عليه وسلم:‏
فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن.‏
‏( أخرجه مسلم من حديث جابر، والبخارى ومسلم أيضا من حديث أبو ‏هريرة).‏
‏-‏ إن الصلوات كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.‏
‏( أخرجه مسلم من حديث أبو هريرة).‏
‏-‏ ‏ بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما.‏
‏( أخرجه مالك من حديث سعيد بن المسيب مرسلا).‏
‏-‏ وسئل صلى الله عليه وسلم: أى الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لمواقيتها.‏
‏ ( متفق عليه البخارى ومسلم من حديث ابن مسعود).‏
‏-‏ من حافظ على الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها كانت له نورا وبرهانا ‏يوم القيامة، ومن ضيعها حشر مع فرعون وهامان.‏
‏( أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو)‏
‏-‏ ‏ مفاتيح الجنة الصلاة.‏
‏( رواه أبو داود من حديث جابر).‏
‏-‏ من ترك صلاة متعمدا فقد برئ من ذمة محمد عليه السلام.‏
‏ ( أخرجه أحمد من حديث أم أيمن).‏
‏-‏ لا ينظر الله يوم القيامة إلى العبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده.‏
‏ ( أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة).‏
‏-‏ أسوأ الناس سرقة الذى يسرق من صلاته.‏
‏( أخرجه أحمد من حديث أبى قتادة).‏
‏- من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما، غفر له ما تقدم من ذنبه.‏
‏( البخارى ومسلم من حديث عثمان).‏
‏- إذا صليت فصل صلاة مودع.‏
‏ ( أخرجه ابن ماجه من حديث أبى أيوب).‏

أقوال بعض علمائنا الأجلاء:‏


‏ ( يتبع)‏

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 09:58 PM
فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ به من شرور ‏أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ..من يهده الله فلا مضل له ..ومن يضلل فلن ‏تجد له ولياً مرشداً ..وبعد ‏
أيها الأحبة :_‏
إن حديث اليوم هو عن أعظم عمل بعد التوحيد كلف به الأنبياء وهو ‏الصلاة ، فإنها من خير أعمالكم ، وهي خير موضوع كما قال النبي صلى ‏الله عليه وسلم فلهذا لا غرابه أن يخصص له حديث : ويدندن حوله ‏المتكلمون لأنها سراج للقلب والروح الى بارئها جلى وعلى .‏
أولاً.. تمهيد :-‏
‏ إن من عظيم نعمته تعالى وهو الواحد الأحد الصمد أن يجود بعليائه على ‏ذلك العبد الفقير فيبسط يده إليه ويأذن له بذكره وشكره وحسن عبادته ‏وسؤاله ، مجرد الإذن كما قال تعالى (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ‏فيها أسمه )) فإن مجرد إذنه لنا بأن نذكره وندعوه هو نعمة عظمى .. ‏فكيف وقد أمرنا بذلك وأوجبه علينا ، وجعل لنا عليه الأجر العظيم . إنه ‏سبحانه يفتح أبوابه لعباده دون أن يجعل بينه وبينهم وسيطاً (( وقال ‏ربكم إدعوني أستجب لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ‏جهنم داخرين )) . والدعاء ضربان : ‏
الأول :_ دعاء عبادة : كالصلاة والقرآن والذكر والتسبيح ، فهذا دعاء ‏عبادة له تعالى .‏
الثاني :- دعاء مسألة ، أي أن تسأل الله تعالى وترجوه فيما تريد وتحب ‏من خيري الدنيا والآخرة ، وذكره تعالى هو في حقيقته دعاء لإنك إن ‏أثنيت عليه تعالى بأسمائه وصفاته فأنت تتعرض له بالسؤال ، فإذا قلت ‏اللهم لامانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولاينفع ذا الجد منك الجد ‏فكأنك تقول اللهم لامانع لما أعطيت فأعطني ولا معطي لما منعت فلا تمنع ‏عني فضلك ولاتحرمني بذنوبي ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد فأغنني ‏بفضلك عن سواك . ‏
‏ أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن ‏شيمتك الحباء
‏ إذا أثنى عليك العبد يومًا كفاه من ‏تعرضه الثناء ‏

إنه تبارك وتعالى ينزل في ثلث الليل الآخر فيقول لعباده : هل من سائل ؟ ‏هل من داعي ؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب ؟ ‏
‏ لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه ‏لا تحجب ‏
‏ الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين ‏يسأل يغضب ‏
‏(( ياابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ماكان منك ولا ‏أبالي ، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ‏ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً ‏لأتيتك بقرابها مغفرة )) حديث قدسي ‏‎–‎‏ ‏
ثانياً :_صفات وأسماء وفضائل ..‏
هذه الصلاة شأنها عظيم .. ولماذا أتكلم أنا ويتكلم غيري وقد تكلم الرب ‏جلا وعلا ؟! ولماذا يتحدث الإنسان وقد تحدث سيد ولد آدم محمد صلى ‏الله عليه وسلم،فبيّن ما في هذه الصلاة من الأسرار والمعاني الكبار . ‏فالصلاة عهد .. قال الله تعالى :- (( ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً .لا ‏يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً )) .و قال صلى الله عليه ‏وسلم كما في السنن : - (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد ‏كفر)) فمن حُرم الصلاة فقد حُرم الشفاعة يوم الحساب . ‏
والصلاة عبادة تصل العبد بربه تعالى ، فتجعل هذا الضعيف الحقير الفاني ‏المخلوق من تراب الأرض! تجعله عظيماً لأنه موصول بالله تبارك وتعالى ‏‏(( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ‏تفلحون )) .‏
وهي إيمان ، وكل الأعمال بلا إيمان لا قيمة لها ولا ثمرة قال الله تعالى : ‏‏(( وما كان الله ليضيع إيمانكم)) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس قبل أن ‏تحول القبلة إلى الكعبة المشرفة في البيت الحرام ‏‎–‎‏ ولهذا أيضاً بيّن النبي ‏صلى الله عليه وسلم أن ترك الصلاة كفر ، فقال كما في صحيح مسلم : -‏‏(( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) وتركها أيضاً نفاق كما ‏في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه ((أثقل الصلاة على ‏المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيها لا توهما ولو ‏حبواً )). ‏
‏ والصلاة توبة . قال الله تعالى:- (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا ‏الزكاة فإخوانكم في الدين )) وقال في الآية الأخرى : (( فإن تابوا وأقاموا ‏الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )).‏
والصلاة ذكرُُ لله تعالى ، قال الله عز وجل (( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ‏فاعبدني وأقم الصلاة لذكري )) يعني لتذكرني بها .‏
والصلاة طمأنينةٌ للقلب وسكينةٌ للنفس وهناء للروح ، قال الله تعالى:- (( ‏وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)) .وفي حديث متفق عليه أن أ سيد بن ‏حُضير قام يصلي من الليل فقرأ من سورة البقرة أو من سورة الكهف- ‏اختلفت الرواية ‏‎–‎‏ فرأى بين السماء والأرض أمثال القناديل فجالت الفرس ‏حتى خشي على ولده فهدأ وسكن في قراءته فعاد فعادت ، فلما أصبح غدا ‏على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏: (( اقرأ يا ابن حُضير تلك السكينة تنزلت لقراءة القرآن ، تلك الملائكة ، ‏ولو قرأت لأصبحت يتراءاها الناس بين السماء والأرض )) .‏
والصلاة شكرُُ (( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً )) .. بماذا ‏كان عبداً شكوراً ؟! .. بكثرة الصلاة .. ولهذا لما قالت عائشة كما في ‏الصحيحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أطال القيام حتى ‏تفطرت قدماه : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال يا ‏عائشة أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً )) ‏
والصلاة عونُُ للعبد على ما يعانيه ويواجهه من المشكلات في الدنيا ‏والآخرة ، ولهذا قال الله تعالى :-‏
‏(( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا الخاشعين)) فالذين ‏يواجهون مشاكل الدنيا وصعوباتها ويتصدون لجلائل الأعمال ، خاصة من ‏أهل العلم ، وأهل الدعوة ، وأهل الجهاد الذين يلقون التعب في هذه الدار ، ‏ويواجهون من المشاكل الصغيرة والكبيرة ، ويحط الناس بهم كل قضاياهم ‏وكل مشكلاتهم ، لابد أن يستعينوا على ذلك بالصلاة وإلا عجزوا وانقطعوا ‏‏. وكان شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله يصلي الفجر ثم يجلس في ‏مصلاه يذكر الله حتى يتعالى النهار ويرتفع ثم يصلي ركعتين ثم يقول : - ‏‏(( هذه غدوتي ، لو لم أتغدها لم تحملني قدماي )). ‏
والصلاة مناجاة لله سبحانه وتعلى ووقوفُُ بين يديه ولهذا قال النبي ‏صلىالله عليه وسلم كما في الصحيح ‏
‏(( إذا قام العبد في الصلاة فإنه يناجي ربه )) . ثم نهى أن يبصق العبد بين ‏يديه أو عن يمينه ولكن من تحت قدميه أو عن شماله ،والذي يناجي ربه ‏تعالى أنّى أن يقبل على غيره أو ينصرف عنه أو يجعل بصره يلتفت يمنة ‏ويسرة والله تعالى قُبالة وجهه .‏
والصلاة قربى وزلفى إلى الرب تعالى فإن العبد بعيد عن الله إن غفل عن ‏ذكره ، فكلما ذكر الله تعالى وصلى اقترب من الله سبحانه ، ولهذا قال ‏تعالى (( أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى )) ثم قال في آخر السورة (( كلا ‏لاتطعه واسجد واقترب )) اقترب إلى الله تعالى بالسجود له. وفي الصحيح ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : -(( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ‏ساجد فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )‏
والصلاة كفارة ، قال الله تعالى : (( وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من ‏الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين )) فالعبد يحترق

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 09:59 PM
بالذنوب والمعاصي ، هذه نظرة حرام ، وهذه كلمة ما حسب لها حساب ، ‏وهذه خطوة إلى معصية ، وهذه يدٌ تمتد إلى مالا يرضي الله ، وهذه .. ، ‏وهذه .. فإذا جاءت الصلاة كفَر العبد بها عن ذنوبه وخطاياه وقد ذكر ‏النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يغفر له ما بين الصلاتين ما لم يؤتي ‏كبيرة ، وذلك الدهر كله . ولما جاءه الرجل يشتكي ذنباً. قال له النبي صلى ‏الله عليه وسلم (( أشهدت معنا الصلاة قال: نعم . قال : اذهب فقد غُفر لك ‏‏)) . وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح ‏‎–‎‏ ‏الصلاة ب(( نهرغمر جارٍ بباب أحدكم يغتسل منه العبد كل يوم خمس ‏مرات هل يبقى من درنه شىء . قالوا :لا يارسول الله .قال : فذلك مثل ‏الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا والذنوب )). والصلاة عصمة ‏من الشيطان . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الشيطان يئس ‏أن يعبده المصلون في جزيرة العرب )) وهي نور كما قال عليه الصلاة ‏والسلام في الحديث الذي رواه مسلم :- (( والصلاة نور )) . وهي شغلٌ ‏أي شغل ولهذا في حديث ابن مسعود :- (( إن في الصلاة لشغلاً )) يعني ‏من أمور الدنيا بل حتى عن أمور الدين من غير الصلاة مما لا يتعلق بها ‏‏.فإذا أقبل العبد على صلاته ينبغي أن يفرغ قلبه من جميع الشئون ‏والهموم ، ويقبل عليها بقلب حاضر ولسان ذاكر .‏
وهي أيضاً حقن لدم الإنسان . ولهذا لما وقف الرجل أمام الرسول صلى ‏الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم ، فقال: اعدل يا محمد - وفي رواية : - ‏‏(( أنه قال : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله )) ‏‎–‎‏ فاستأذن رجل من ‏الصحابة في قتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لعله أن يكون ‏يصلي )) فاعتبر أن صلاته تعصم دمه من أن يقتل .‏
ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكّام الجور وحكّام السوء قال بعض ‏الصحابة : يا رسول الله أفلا ننابذهم ونقاتلهم ؟ قال : -(( لا.. ما صلوا ‏‏..)) ‏
وهي ناهية عن الفحشاء والمنكر (( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ‏الفحشاء والمنكر )) .. بل هي أفضل الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه ‏وسلم ، وقد سئل كما في الصحيح :- (( أي الأعمال أفضل ؟ فقال : ‏
‏(( الصلاة لوقتها )) .. وهي شعار الإخاء والحب و المودة بين المصلين ‏والمترددين على المساجد وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال عن المملوك (( مملوكك كافيك ، فإذا صلى فهو أخوك ‏، فإذا صلى فهو أخوك )) يعني العبد الذي تستخدمه إذا أدى الصلاة فهو ‏أخوك ، فعليك أن تحسن معاملته وتبتعد عن إيذائه بالقول أو بالفعل . بل ‏هي وصية الله سبحانه وتعالى لأفضل خلقه للرسل عليهم الصلاة والسلام ‏‏: -(( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت ‏وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا )) .‏
‏* بالتالي فإن الرسل نقلوا هذه الوصية إلى من وراءهم من أهليهم ‏وأقوامهم وأتباعهم . قال الله تعالى ..(( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ‏‏)) وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ((وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ‏عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى )) وفي الصحيحين أن ‏النبي صلا الله عليه وسلم قام فزار البقيع ، فسلم على أهل البقيع ثم صلى ‏وقال : - (( إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر )) ثم قال ‏عليه الصلاة والسلام : -(( من يوقظ صواحب الحُجُرات ‏‎–‎‏ يعني أزواجه ‏رضي الله عنهن ‏‎–‎‏ يا رُبّ كاسية بالدنيا عارية يوم القيامة )) وكان يقول ‏في مرض موته الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم : (( الصلاة وما ‏ملكت أيمانكم)). ‏
‏**كل هذا شأن الصلاة فهل يا ترى هذه المعاني العظيمة وهذه الدلالات ‏الربانية وهذه الأوصاف النبوية هل هي تصدق على كل صلاة ؟ .. أم ‏تصدق على تلك الصلاة التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم . ‏لاشك أنه كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه حتى المنافقون كانوا ‏يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وربما تأخروا عن بعض ‏الصلوات كصلاة العشاء ، وصلاة الفجر ، ولكنهم ربما شهدوها ‏وبالتأكيد فهم يشهدون غيرها . وكثير من ضعفاء والإيمان يصلون لكن لا ‏تتحقق تلك المعاني العظام في صلاتهم لإنها صورة مجردة عن الحقيقة ، ‏ولهذا يجب أن نعلم : كيف صلى الأنبياء .‏
ثالثاً : - نعم هكذا صلى الأنبياء .‏
كل الأنبياء بعثوا بالصلاة ولهذا لو تأملت هديهم لوجدت الصلاة مذكورة ‏في سيرة كل نبي . قال الله تعالى ‏
‏(( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع ‏نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ‏آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً )) ثم قال (( فخلف من بعدهم خلفُُ ‏أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً )) . إذن فالأنبياء ‏بعثوا بالصلاة وإذا قرأوا القرآن خروا ساجدين خاشعين باكين لله تعالى . ‏أما الذين من بعدهم ممن غيروا وبدلوا وخالفوا هديهم فقد اتبعوا ‏الشهوات وأضاعوا الصلوات . قال الله تعالى : - (( وهذا كتاب أنزلناه ‏مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون ‏بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون )) وكأن صلاة الأنبياء ‏عليهم الصلاة والسلام كانت متقاربة في هيئتها وشكلها ومظهرها ‏ومخبرها وسرها وجوهرها . ففي حديث ابن عباس وابن عمر وهما ‏حديثان صحيحان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنّا معاشر ‏الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا ‏في الصلاة )) ‏
فهؤلاء الأنبياء كلهم أمروا أن يقفوا بالصلاة خاشعين لله تعالى مخبتين ‏بين يديه منكسرين إليه واضعاً أحدهم يده اليمنى على يده اليسرى على ‏جزءٍ من بدنه في صلاته على صدره أو غيره . هكذا أخبر النبي صلى الله ‏عليه وسلم عن الأنبياء جميعاً . ووضع اليد على اليد في الصلاة هو من ‏هدي النبي صلى الله عليه وسلم . وقد وردت فيه أحاديث كثيرة أوصلها ‏بعض العلماء إلى درجة المتواتر الذي ثبت ثبوتاً قطعياً ، أنه كان صلى الله ‏عليه وسلم كان يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة ، وفي ‏الصحيحين من حديث سهل بن سعد : -(( كان الناس يأمرون الرجل أن ‏يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة )) . وفي صحيح مسلم أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( مررت على موسى وهو يصلي على ‏قبره ))‏ ‏ ‏
وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين : -(( أفضل الصلاة صلاة ‏داود ..)) وذكر عليه الصلاة والسلام أنه لما أُسري به إلى بيت المقدس ‏جُمع له الأنبياء هناك فصلى بهم إماماً وهم يصلون بصلاته )) ولاشك ‏والله تعلى أعلم ‏‎–‎‏ أن هؤلاء المأمومين من أنبياء الله ورسله كانوا يقتدون ‏بإمام الأئمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا كبّر كبّروا ، وإذا قرأ ‏أنصتوا ، وإذا قام قاموا ، وإذا ركع ركعوا ، وإذا سجد سجدوا ، وإذا قعد ‏قعدوا ، وإذا سلّم سلّموا من ورائه صلى الله عليه وعليهم جميعاً وسلّم ‏فهذا ما يقتضيه الشرع في إقتداء المأموم بالإمام ، وقد قال النبي صلى ‏الله عليه وسلم : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه )) فكيف ‏تظن هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام صلوا خلف إمامهم- نبينا ‏محمد صلى الله عليه وسلم ‏‎–‎‏ إلا أن يكونوا يصلون بصلاته حذو القذة ‏بالقذة ويتبعونه في كل أفعاله عليه الصلاة والسلام .‏
وفي آخر الزمان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه الصلاة ‏والسلام ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، فيصلي الفجر مع ‏المسلمين يقتدي بإمامهم ويقول : (( أئمتكم أنتم أئمة بعضكم لبعض ‏تكرمة الله تعالى لهذه الأمة )) ولاشك أن عيسى حين يصلي سوف يقتدي ‏بسنة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ، إذ أن شريعة محمّد صلى الله ‏عليه وسلم باقية إلى قيام الساعة ، وهي حق واجب على كل الناس الذين ‏يأتون من بعده ، فبذلك تعلم أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُعثوا ‏بالصلاة وأُمروا بها وأمروا بها غيرهم ، وأن صفة الصلاة عند الأنبياء ‏جميعاً ‏‎–‎‏ والله تعالى أعلم ‏‎–‎‏ متقاربة ، بل حتى الملائكة هم يصلون ، ولهم ‏صلوات كصلوات المسلمين ، قيام وركوع وسجود ، ففي الصحيح أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( نزل جبريل فأمسّني فصليت معه )) ‏وفي الحديث الذي رواه أهل السنن أن جبريل أتى في اليوم الأول فصلى ‏بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم ‏الفجر في أول الوقت . وفي اليوم الثاني نزل عليه السلام فصلى بالنبي ‏صلى الله عليه وسلم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر في ‏آخر الوقت وقال له : - (( الصلاة بين هذين الوقتين )) وكذلك قال النبي ‏صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه .. ألا تصفون كما تصُّف الملائكة عند ‏ربها ، قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يُتمون الصف الأول ‏فالأول ويتراصّون في الصف )) وفي الحديث الذي رواه أصحاب السنن ‏وغيرهم وهو حديث صحيح عن أبي ذر وغيره أيضاً أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال : -(( أطت السماء وحُقّ لها أن تئط ، ما فيها موضع شبر ‏إلا وفيها ملك واضع جبهته ساجد لله تعالى يسبح الله ويحمده ، والله لو ‏تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على ‏الفرش ، وخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى )) .. قال الله تعالى ‏‏: - (( فإن استكبروا فالذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ‏وله يسجدون )) . وصلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها كيفيتان :- ‏
الكيفية الأولى : - الكيفية الباطنة : - ‏
وهي كمال الذل والخشوع لله تعالى وصدق التعبد والإقبال عليه والإنقطاع ‏إليه عما سواه ولهذا قال الله تعالى : (( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في ‏صلاتهم خاشعون )) وقال : - (( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ‏عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ‏لمفعولا ، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً )) وقد قام نبينا محمد ‏صلى الله عليه وسلم ليلة تامة حتى أصبح . يقرأ آية واحدة من كتاب الله ‏تعالى ، وكان يرددها ويبكي كما في حديث أبي ذر عن النسائي وغيره ‏وهي قوله تعالى (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور ‏الرحيم )) فالخشوع سر الصلاة ولبُّها وجوهرها وثمرتها ولاشك أن من

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 09:59 PM
الخشوع قدراً واجباً يأثم المرء بتركه والتفريط فيه كما في حديث أبي ‏قتادة الذي رواه أحمد والدارمي والحاكم وصححه وسنده جيد أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال :- (( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ‏‏)) قالوا يارسول الله وكيف يسرق من صلاته ؟ قال لايتم ركوعها ولا ‏سجودها ولا خشوعها )) ولا شك أن السرقة حرام ، بل هي من كبائر ‏الذنوب فكون النبي صلى الله عليه وسلم وصف ذلك الذي لا يتم خشوع ‏الصلاة ولا ركوعها ولا سجودها بأنه قد سرق بل عد سرقته أسوأ سرقة ‏وعدّه هو أسوأ الناس سرقة هذا دليل على أن من إتمام الركوع والسجود ‏والخشوع في الصلاة قدراً واجباً يأثم الإنسان بتركه ولا تتم الصلاة إلا به ‏، ولا شك أن الخشوع من أعمال القلب . وأعمال القلب هي الأصل لأعمال ‏الجوارح ، وفي الصحيحين من حديث النعمان : - (( إن في الجسد مضغة ‏إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ‏فالأصل في أعمال الجوارح أعمال القلوب ، فإن صلح القلب وأعماله ‏صلحت أعمال الجوارح ، وإذا فسد القلب وأعماله فسدت أعمال الجوارح ‏، والناس يتنافسون في أعمال الجوارح ، فربما تنافسوا في التبكير إلى ‏الصلاة وربما تنافسوا في الخشوع الظاهر في الصلاة وربما تنافسوا في ‏تطبيق السنن الواردة في الصلاة ، وربما تنافسوا في تطويل الصلاة وهذا ‏كله حسن وجيد ومشروع وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وهو خير ‏من التنافس في الدنيا أو في الأموال أو في الأولاد أو في غير ذلك ، ولكن ‏أعظم من هذا التنافس على الأمور الظاهرة ، أن يتنافس الناس على ‏الأمور الباطنة ‏‎–‎‏ أعمال القلوب ‏‎–‎‏ ولكنهم لا يتنافسون فيها لأنها ليست ‏مما تراه العين أو تسمعه الأذن أو تلمسه اليد فهي سر لا يعلمه إلا العالم ‏بالأسرار والخفيات وهو الله سبحانه وتعالى . وفي صحيح مسلم عن ‏عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( ‏ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ‏إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتى كبيرة ، وذلك الدهر كله ‏‏)) ‏
يا سبحان الله !! .. أيُّ خير زيد بعد ذلك ؟ ! كفارة لما قبلها من الذنوب !! ‏‏.. وهي لا تستغرق منك أكثر من عشر دقائق ! .. والمقصود : الذنوب ‏الصغيرة شريطة أن يحسن وضوءها وخشوعها وركوعها . وفي ‏الترمذي ومسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصلاة ‏‏(( تشهُّدُُ في كل ركعتين وتخشّع وتضرّع وترفع يديك وتقول :يا للهم .. يا ‏للهم ، فمن لم يفعل فهي خداج .. فهي خداج )) وفي صحيح البخاري أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( والله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ‏ركوعكم ولا سجودكم )) . والخشوع أيها الأحبة علمُُ ، ولا غرابة أن ‏يتسابق الطلاب إلى حضور المجالس التي فيها علمُُ لبعض الأحكام .. لكن ‏كم رأينا ممن يتسابقون إلى المجالس التي فيها علم القلوب كعلم الخشوع ‏أو علم اليقين أو علم الإقبال على الله ومعرفته ومحبته وغير ذلك . ‏
‏ فالخشوع علمُُ لأنه علمُُ بالله وأسمائه وصفاته ومعرفة لعظيم قدره ، حتى ‏لا يكون في شيء أكبر وأعظم من الله تعالى ، ولهذا تستفتح الصلاة لتقول ‏‏: - (( الله أكبر )) وغير الخاشع يعد من الجاهلين ، وقد قال شداد بن ‏
أوس ‏‎–‎‏ وهو صحابي ‏‎–‎‏ لجبير بن نفيل : (( هل تدري ما ذهاب العلم ؟ قال ‏‏: لا ، قال : ذهاب العلم ذهاب أوعيته وهم العلماء . قال له : أتدري أي ‏العلم يرفع أول ؟ قال لا أدري : قال : أول علم يرفع من الناس علم ‏الخشوع ، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً )) ‏وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في مسنده والدارمي وأهل السنن وهو حديث ‏صحيح .. وللخشوع أسباب لابد من تحصيلها : - ‏
‏1-‏ تفريغ القلب ، .. فصاحب القلب المشغول بهموم الدنيا المملوء ‏بمشاكلها ، والمستغرق بملذاتها وقضاياها ؟ أنّى له أن يجد في قلبه ‏خانة فارغة يملؤها بشأن الصلاة ، فالصلاة تحتاج إلى القلب ، فإذا ‏احتاج العبد قلبه في الصلاة وجسده الآن مشغول بهموم الدنيا فلا ‏يفرغ لصلاته فلابد أن يكون في قلب الإنسان خانات فارغة دائماً وأبداً ‏لأمر الآخرة ، ولأمر الدين ، لا يسمح أن تملأ بشيء دنيوي قط .‏
‏2-‏ ‏ التبكير إلى المساجد ، وإحسان الطهور ، والتنفل قبل الصلوات ، ‏وقراءة ما تيسر من القرآن فإن هذا يفرغ القلب ويجرده من الشواغل ‏ويهيئه للإقبال على الله تبارك و تعالى ، ولهذا شرعت السنن الرواتب ‏‏: ‏
‏ [ ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر أو ركعتان ، وركعتان بعد ‏العشاء ] وبين كل أذانين صلاة : ‏
‏ [ ركعتين قبل العصر ‏‎–‎‏ بين الأذان والإقامة - ، وركعتين قبل المغرب ‏‎–‎‏ ‏بين الأذان والإقامة - ، وركعتين قبل العشاء ‏‎–‎‏ بين الأذان والإقامة ] . ‏حتى يتفرغ القلب ويتجرد للإقبال على الفريضة .‏
‏3-‏ الإقبال على الصلاة ، بقراءتها وذكرها ودعاءها ، فيتأمل العبد ماذا ‏يقرأ في صلاته وبماذا يدعوا أما أن يكون في واد وقلبه في واد آخر ‏فهذا بعيد من الإجابة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ‏أبو هريرة وابن عمر وهو حديث حسن (( ادعوا الله وأنتم موقنون ‏بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ )) . فلا بد ‏أن يقبل العبد على ربه ويدعوه وإذا قرأ القرآن يعرف ماذا يقرأ ، وإذا ‏ذكر الله يعرف ماذا يقول . ‏
‏4-‏ ‏ ألا يؤدي الصلاة وقلبه مشغول ، بل ينتظر قضاء الصلاة ، ليذهب إلى ‏حاجته ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا صلاة بحضرة ‏طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان )) وذلك أن النفس إذا استشرفت إلى ‏شيء من أمر الدنيا طعام أو شراب أو عملاً أو خبراً أو غير ذلك .فإن ‏العبد يصلي وهو ينتظر قضاء الصلاة لينظر في هذا العمل ، ينبغي ‏للعبد أن يخلص عمل الدنيا ويقبل على صلاته بقلبٍ حاضرٍ متفرغ ، ‏ولهذا وصف الله سبحانه وتعالى الصالحين بالمحافظة على الصلوات ‏وهذا يشمل المحافظة على الوقت ، والطهور وأعمال الصلاة ‏والخشوع وغير ذلك ، وبضدهم ذكر المنافقين فقال : (( وإذا قاموا إلى ‏الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً )) وذكر ‏المشركين فقال : - (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديه)) ‏وذكر المرائين فقال:- (( فويلُُ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ‏ساهون ، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون )) .. إن الصلاة عبادة ‏محضة ، ليس لها مرتبات .. وليس فيها فوائد دنيوية ولا داعي أن ‏نقول للناس أن العبد إذا صلى كسب رياضة وصحة واستقام حاله ، ‏وتخلص من بعض الأمراض إلى غير ذلك ، .. كلا .. فالعبد لا يأتي إلى ‏المساجد ليكسب مالاً ولا ليكسب صحة ، ولا ليكسب ثروة ، ولا ‏ليكسب جاهاً ، ولا ليكسب مكانة اجتماعية ، إنما يمشي هذه الخطوات ‏إلى مسجد الله تعالى يضع جبهته في التراب لربه تبارك وتعالى ويقول ‏‏: - (( سبحانك وبحمدك أنا عبدك وبين يديك ، اعترف بذنبي واعترف ‏لك بكل معاني الكمال والجلال والجمال ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب ‏إلا أنت))‏
فليس في الصلاة كبير وصغير وليس فيها أمير ومأمور ولا غني ولافقير ‏بل الجميع فيها سواسية ، أقدامهم سواء ، وأكتافهم سواء ، وجباهم كلهم ‏في التراب معفرة لرب الأرباب . إذن : هذه هي الكيفية الأولى والعظمى ، ‏والكيفية الباطنة لصلاة الأنبياء علهم الصلاة والسلام . فإن الواحد منهم ‏إذا قام إلى صلاته أقبل على ربه أشد الإقبال . قال الله تعالى لنبيه صلى الله ‏عليه وسلم (( ياأيها المزمل . قم الليل إلا قليلاً . نصفه أو انقص منه قليلاً ‏
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً . إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً )) عبء ‏الدعوة وتكاليفها ومسئولياتها وهمومها وتبعاتها لا يقوم لها إلا من ‏استعان بالله تعالى وعبد الله وصلى وذكر الله ولذلك قال : - (( إنا سنلقي ‏عليك قولاً ثقيلاً)).‏
الكيفية الثانية : - الكيفية الظاهرة ‏
والمقصود بها أعمال الصلاة وأقوالها ، وهذه أمرها كبير وطويل ، ‏ولكني اختصر شيئاً منها ، وسوف أتجاوز كثيراً من الأشياء المعروفة ‏المتداولة التي لا إشكال فيها : ‏
‏-1- يرفع العبد يديه في مبدأ الصلاة ويقول(( الله أكبر )) وهذه تكبيرة ‏الإحرام ، وبها يدخل الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ‏تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )) فإذا كبر دخل في الصلاة وأحرم بها ، ‏فأصبح محرماً عليه أن يأكل أو يشرب أو يتكلم أو ينصرف عن القبلة أو ‏يعاني أي عمل من أعمال الدنيا التي تتنافى مع الصلاة ، وهذه التكبيرة ‏ركن من أركان الصلاة ، وينبغي أن يرفع يديه مع التكبير ، يرفعهما إلى ‏منكبيه كما جاء في بعض الأحاديث ‏‎–‎‏ أو إلى أطراف أذنيه ‏‎–‎‏ كما جاء في ‏أحاديث أخرى ، ورفعهما إلى المنكبين هو مذهب الجمهور وأكثر ‏الأحاديث عليه ولو رفعهما إلى أطراف الأذنين فلا حرج ، فجاء ذلك في ‏أحاديث أخرى . وتوسط بعض أهل العلم فقال : يكون أسفل اليد إلى ‏المنكب وأطراف الأصابع إلى فروع الأذنين ، وهذا الرفع مسنون عند : - ‏
أ- تكبيرة الإحرام ب- تكبيرة الركوع -ج- الرفع من الركوع ‏‏-د- القيام من التشهد الأول ‏
فهذه الأربعة مواضع ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره أنه ‏يشرع للإنسان أن يرفع يديه فيهما مع التكبير أو مع التسميع(( يعني ‏قول سمع الله لمن حمده )) وهو سنة على كل حال كما هو مذهب ‏الجماهير من العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة . ‏
‏-2- بعد التكبير يستفتح العبد وهو سنة ليس بواجب عند جميع أهل العلم ‏، وأي دعاء ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز أن يستفتح به العبد ‏مثلاً (( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)) ‏هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عن عمر بن الخطاب رضي ‏الله عنه كما في صحيح مسلم وغيره ، وجهر به عمر وعلمه الناس ‏ورجحه الإمام ابن القيم من نحو عشرة أوجه ، واختاره الإمام أحمد ، ‏وفي كتاب التوحيد لابن منده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( ‏أحب الكلام إلى الله : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك ‏ولا إله غيرك )) وسند الحديث جيد . وغيره ورد عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه عليه السلام كان

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:00 PM
يستفتح فيقول : - (( اللهم باعد بين خطاياي كما باعدت بين المشرق ‏والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ‏اللهم إغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد )) . ‏
وإن دعا بغير ذلك من الاستفتاحات الواردة وهي نحو أربعة عشر ‏استفتاحاً فلا بأس بذلك ، ولو جمع بين استفتاحين لم يكن عليه في ذلك ‏إن شاء الله حرج ، كما رجحه الإمام ابن تيميه رحمه الله ثم يتعوذ بالله ‏من الشيطان الرجيم لقوله تعالى (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ‏الشيطان الرجيم )) . ‏
‏-3- يضع يده اليمنى على يده اليسرى ‏‎–‎‏ كما سبق ‏‎–‎‏ وهذا يكاد أن يكون ‏اتفاقا بين العلماء ، وخالف في ذلك القليل-‏
ثم يضع يديه على صدره لحديث وائل بن حِجر قال : صليت مع رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده اليمني على اليسرى على صدره )) ‏والحديث رواه ابن خزيمه وفي سنده ضعف ولكن له شاهد آخر مرسل ‏صحيح عن طاووس قال في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه كان ‏يضع يده اليمنى على اليسرى ثم يشد بينهما على صدره )) والحديث هذا ‏رواه أبو داود وهو صحيح مرسل وبه يتقوّى حديث وائل بن حجر رضي ‏الله عنه . ‏
وهناك أقوال : بعضهم يقول : يرسل يديه ، وبعضهم يقول يضعهم فوق ‏السرة ، وبعضهم يقول : يضعهم تحت السرة . وأود أن أقول : إن الأمر ‏في ذلك كله واسع ، أما السنة فلا شك أن السنة هي وضع اليد اليمنى ‏على اليسرى هذا ظاهر وليس إرسال اليدين ، ثم إن وضعها على صدره ‏أو تحت الصدر بقليل أو فوق السرة أو تحت السرة فذلك كله واسع ، ‏والأولى أن يضعهما فوق الصدر .. .. إنما لا ينبغي أن تكون هذه مسألة ‏من المعضلات ، وألا تكون مثاراً للجدل والإشكال والقيل والقال ، وينبغي ‏أن يكون فيها تعاذر وتغا فر وتناصح ، فلو خالفتني في هذه المسألة فلا ‏حرج عليك إن شاء الله ، وأرجو ألاّ تؤاخذني إذ خالفتك أيضاً ، فإن الصلاة ‏كما أسلفنا عبادة المقصود فيها التقرب إلى الله تعالى ، وليس المقصود ‏فيها الجدل والقيل والقال وارتفاع الأصوات ، واختلاف القلوب ، ولأن ‏نضع أيدينا مختلفين فهذا وضعهما تحت سرته ، وهذا وضعها على صدره ‏، وهذا وضعها فوق سرته مع اتفاق القلوب ، وسلامتها ، والنصح ‏للمسلمين لهو خيرُُ عند الله تعالى من أن نفعل غير ذلك وتكون القلوب ‏مختلفة متنافرة مليئة بالبغضاء لإخوانك المسلمين . ‏
‏-4- قراءة الفاتحة وهي ركن للإمام والمنفرد لقول النبي صلى الله عليه ‏وسلم في حديث عبادة :- (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) أما ‏المأموم فإن كان الإمام يسكت قرأ الفاتحة وإلا سكت المأموم وتكفيه قراءة ‏إمامه إن شاء الله تعالى وفي ذلك أقوال كثيرة هذا أصحها وأرجحها ‏‎–‎‏ في ‏ما ظهر لي إن شاء الله ‏‎–‎‏ ولذلك أدلة منها قول ربنا تبارك وتعالى (( وإذا ‏قُرِأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون )) قال بعض المفسرين ‏أجمع العلماء على أن ذلك في الصلاة ، فإذا كان الإجماع على أن هذه ‏الآية نزلت في الصلاة ، فكيف نستثني منها لحالة الوحيدة التي يمكن أن ‏يقرأ فيها الإمام والمأموم ، وهي ألا يسكت الإمام يعد قراءة الفاتحة ، فإذا ‏لم يسكت الإمام فعليك أن تسمع وتطيع لما قال الله ، فتسكت رجاء أن ‏تدخل في رحمة الله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأئمة : - (( ‏يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فعليهم ولكم )) صحيح . ‏فقول النبي صلا الله عليه وسلم ‏‎–‎‏ يصلون لكم ‏‎–‎‏ دليل على أن قراءة الإمام ‏قراءة لمن وراءه . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إنما جعل ‏الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كّبر فكّبروا وإذا قرأ فأنصتوا ، وإذا ‏ركع فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ، وإذا ‏سجد فاسجدوا .. ..)) إلى غير ذلك ، فقوله : - (( وإذا قرأ فأنصتوا )) ‏بعد ما بّين ماذا يقول الإمام بيّن ماذا يقول المأموم . فإذا قال الإمام سمع ‏الله لمن حمده )) قال المأموم (( ربنا ولك الحمد )) .‏
وإذا ركع الإمام ركع المأموم فبيّن ماذا يجب عليهم جميعاً وهو (( الركوع ‏، والوقوف ، والسجود ، وغير ذلك ، وبيّن ما يجب على الإمام دون ‏المأموم وهو مثل قوله (( سمع الله لمن حمده )) . ‏
وبيّن ما يجب على المأموم مع الإمام وهو قوله ((ربنا ولك الحمد )) ثم ‏قال (( فإذا قرأ فأنصتوا )) فدل ذلك على أن المأموم مطالب بالإنصات متى ‏شرع إمامه بالقراءة حتى لو لم يتمكن من قراءة الفاتحة . وقد جاء في ‏ذلك حديث (( من كان له إمام فقراءته له قراءة )) وهذا الحديث جاء عن ‏أنس بن مالك وابن عباس وأبي هريرة وابن سعيد وابن عمر وجابر ‏وغيرهم ، وصححه جماعة من أهل العلم كالإمام البوصيري والإمام شيخ ‏الإسلام ابن تيميه رحمه الله ومن المعاصرين الشيخ الألباني وغيره ، ‏وضعفه آخرون . وعلى كل حال فإنه لم يثبت قطعياً أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم كان يسكت وهو إمام حتى يتمكن من وراءه من القراءة . ولو ‏كانت قراءة الفاتحة واجبة على المأموم لسكت النبي صلى الله عليه وسلم ‏حتى يتمكن المأموم من قراءتها . وقد قال عليه الصلاة والسلام يوماً بعد ‏ما انصرف من صلاة الفجر (( مالي أنازع القرآن ، لعلكم تقرئون خلف ‏إمامكم )) قالوا نعم ، فنهاهم ‏‎–‎‏ قال الزهري : فانتهى الناس عن القراءة ‏فيما يجهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة .‏
‏-5- يقرأ بعد الفاتحة سورة استحباباً لا وجوباً ‏‎–‎‏ في الركعتين الأولين من ‏الصلاة الرباعية وفي الركعة الثالثة من الصلاة الثلاثية . ففي الفجر يقرأ ‏بطوال المفصل ، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ‏سورة السجدة و (( هل أتى على الإنسان )) وقرأ سورة ق وقرأ إذا ‏الشمس كورت ، وغالب ما يقرأ ما بين .6 إلى ..1 يقسمهما ما بين ‏الركعتين . أما في الظهر فإنها أقل من الفجر ولكنها أطول من العصر ، ‏وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ أحياناً في الظهر بطوال ‏المفصل فقرأ بالذاريات بل قرأ في الظهر بلقمان ثبت هذا عنه عليه ‏الصلاة والسلام .‏
والغالب أنه يقرأ قراءة أقل من صلاة الفجر وأطول من صلاة العصر ، أما ‏في العصر فيقرأ بأواسط المفصل كسورة عمّ والمطففين والتكوير ‏والبروج ونحوها .‏
أما المغرب فيقرأ أحياناً بالقصار كما في حديث سليمان بن يسار أنه كان ‏يقرأ بقصار المفصل ، وقال أبو هريرة ((اذكرني هذا صلاة رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم )) ومثله حديث الصنابحي وقد صلى خلف أبي بكر ‏بالمدينة رضي الله عنه وقد ذكر أنه كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل . ‏وقد قرأ صلى الله عليه وسلم بالمغرب بغير ذلك فقرأ بالطور مرة ، وقرأ ‏بسورة المرسلات بل قرأ بسورة الأعراف ‏‎–‎‏ طولى الطوليْين ‏‎–‎‏ في مرة أو ‏أكثر.‏
أما في العشاء فهو يقرأ فيها كالعصر بأواسط المفصل وقد قرأ عليه ‏الصلاة والسلام بالعشاء ((إذا السماء انشقت )) ذات مرة وسجد فيها . ‏وكذلك قرأ في الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال لمعاذ بن جبل : (( أفتّان أنت يا معاذ ؟ لما أطال القراءة ‏‎–‎‏ اقرأ ‏بالشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى ، وسبح بسم ربك الأعلى . وهذا ‏يتعلق بما يقرأه الإنسان .‏
‏-6- يركع الإنسان ويحني ظهره ويجعل ظهره مساوياً لظهره كما قالت ‏عائشة ‏‎–‎‏ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ‏‎–‎‏ أنه : - (( إذا ركع لم يرفع ‏رأسه ولم يصوّ به ولكن كان بين ذلك )) وكان لو صُبّ على ظهره الماء ‏لستقر من تساويه واعتداله ، ورأسه كذلك كان مساوياً لظهره عليه ‏الصلاة والسلام وكان يقول في ركوعه ‏
‏(( سبحان ربي العظيم ، سبحان ربي العظيم )) أما الوجوب فمرة لإنه ‏صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى
‏(( فسبح باسم ربك العظيم قال : - (( اجعلوها في ركوعكم )) وهذا يتحقق ‏بمرة واحدة . وأما أدنى الكمال فكما قال الفقهاء (( ثلاث )) ويدعوا في ‏الركوع أيضاً بما ورد وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في ركوعه ‏كما في حديث عائشة المتفق عليه (( سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر ‏لي )) إلى غير ذلك من الأدعية.‏
‏-7- يرفع رأسه ويقول (( سمع الله لمن حمده )) إن كان إماماً أو منفرداً ، ‏أما المأموم فلا يقولها بل يكتفي بقوله (( ربنا ولك الحمد )) وهذا الدعاء ‏يشترك فيه الإمام والمأموم والمنفرد فيقولون جميعاً (( ربنا ولك الحمد ‏حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما ‏شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ‏
ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما ‏منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) ‏
ما معنى هذا الدعاء .. .. ؟! قد نردده ولا نفهم معناه : - ‏
‏(( ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماء وملء ‏الأرض وملء ما شئت من شيء بعد )) يعني هذا الحمد الذي أحمدك يا ‏رب هو حمدٌ كثيرٌ طيبٌ لا ينتهي أ بداً يملأ السماوات ويملأ الأراضي ‏ويملأ غيرهما مما تشاء يا رب. ثم قال (( أهل الثناء والمجد ، أحق ما ‏قال العبد ، وكلنا لك عبد )) كلنا عبيد لك ، وأفضل وأعظم كلمة قالها عبد ‏هي : - (( اللهم لا مانع لما أعطيت )) هذه أعظم كلمة قالها العبد وأحق ‏كلمة قالها العبد :- (( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ‏ينفع ذا الجد منك الجد )) فذوا الحظ والغنى .. . ذو الملك والسلطان .. ذو ‏المال والثراء .. ذو الصحة والقوة ..لا ينفعه منك ذلك ، إنما ينفعه عمله ‏الصالح ‏
أما جدٌّه وحظه الدنيوي فلا ينفعه ..‏
فليس لإمرٍ قدر الله جمعه مشتٌّ ، ولا مفرق الله جامع ‏
فالعبد الذي يقول هذا أنّى له أن ٌيطأطأ رأسه لغير الله ، أو يذل لسواه ، ‏أو يطلب الدنيا ويفتلها بالدين ، أو يضعف ويخاف من الطواغيت وأعداء ‏الله وأعداء رسوله عليه الصلاة والسلام .. إن المؤمن الذي يقول هذا ‏الدعاء بقلبٍ حاضر سيمتلئ قلبه ثقة بالله وتوكل وشجاعة وجرأة وقوة ‏وإعراض عن الدنيا وهكذا كانت مثل هذه العبادات والأذكار والصلوات ‏تخرج الناس خلقاً آخر غير ما عهد الناس ، فكان الواحد منهم يهجم على

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:01 PM
الموت ، يبحث عنه ويطلبه في فطانه رجاء أن يكتب الله تعا لى له أجر ‏الشهداء في سبيله . أما المسلم اليوم فإنه يقول هذا الدعاء ثم يمد يده ‏طلباً للدنيا ، ويقول هذا الدعاء ثم يخاف من القوى العظمى ‏‎–‎‏ كما ‏تسمى.. أو يخاف من رجال الأمن ، أو يخاف من الدول ، أو يخاف من ‏أعدائه وخصومه ، أو يخاف من الجن ‏‎–‎‏ كما نجد عند الكثيرين-‏
أو يخاف من الشياطين ، أين الإنسان الذي يقول بلسانه وقلبه يواطء ‏لسانه (( لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك ‏الجد )) أن يطلب الدنيا من غير الله تعالى ، أو يقف بباب غير باب الله ‏تعالى ، وهذا الموضع ‏‎–‎‏ موضع القيام من الركوع ‏‎–‎‏ هو موضع قنوت ‏ودعاء فهو أحد المواضع التي يشرع فيها الدعاء ، ففي الركعة الأخيرة ‏من الوتر ، وكذلك في غير الوتر في الصلوات في النوازل والمصائب ‏العامة التي تنزل بالمسلمين ، ويمكن للإنسان أن يقنت ولو سراً منفرداً ، ‏أو غير منفرد ، فيطيل الوقوف كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ‏‎–‎‏ ‏يطيله ، ويدعوا الله تعالى بما أحب من خيري الدنيا والآخرة .‏
‏-8- يهوي الإنسان بعد ذلك ساجداً لله تعالى .. وهل يقدم للسجود يديه أم ‏ركبتيه ؟ ‏
في ذلك خلاف كثير طويل بين أهل العلم .. وقد نقل الإمام ابن تيميه رحمه ‏الله الإجماع على أن صلاة من قدم يديه أو ركبتيه صحيحة ، وإنما الخلاف ‏في الأوْلى والأفضل من ذلك إذن ينبغي أيضاً أن نعطي هذه المسألة قدرها ‏فلا نعظمها ونجعلها مجالاً للخصومات والعدوات والقيل والقال ، واختلاف ‏القلوب ، بل نبحثها بحثاً علمياً هادئاً رزيناً بعيداً عن التشنٌّج والانفعال ‏والإثارة ، فنقول من أهل العلم من قال السنة أن يقدم الإنسان ركبتيه ثم ‏يديه ثم جبهته .. بهذا الترتيب ، وهذا الذي رجحه الإمام ابن القيم ورجحه ‏جماعة من علماؤنا المعاصرين كسماحة الشيخ ابن باز والشيخ ابن ‏عثيمين وغيرهم من أهل العلم . ومن أهل العلم من قال السنة أن يقدم ‏الإنسان يديه ثم ركبتيه ‏‎–‎‏ إذا هوى إلى السجود ‏‎–‎‏ وكأن هذا أشبه وأقرب ‏إلى السنة أن يقدم الإنسان يديه ثم ركبتيه . وفي حديث أبي هريرة (( إذا ‏سجد أحدكم فلا يبرُك كما يبرُك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه )) ومثله ‏حديث عمر بمعناه ، وهو أصح من حديث وائل بن حجر الذي ذكر تقديم ‏الركبتين قبل اليدين .‏
وعلى كل حال فسواءً قدم الإنسان يديه أو قدم ركبتيه فإنه ينبغي ألا يشتبه ‏بالحيوانات في هذا الهويّ ، فإن الإنسان إذا انحط بجملته وكُلّيته مرة ‏واحدة كان متشبهاً ببروك البعير ، والتشبه بالحيوانات مذموم خاصة في ‏الصلاة ، فعلى الإنسان إن هوى بركبتيه أن ينزل تدريجياً ، وإن هوى ‏بيديه أيضاً أن ينزل تدريجياً أيضاً ، وعليه في سجوده أن يباعد جسمه ‏بعضه عن بعض ، فيباعد بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه ، ويرفع ‏ذراعيه ، ليعطي كل عضو حقه من السجود ويقول في ذلك السجود :- (( ‏سبحان ربي الأعلى ، سبحان ربي الأعلى )) والواجب مرة واحدة ، وما ‏زاد فهو من الكمال والفضل ، ولما نزلت (( سبح اسم ربك الأعلى )) قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم : - (( اجعلوها في سجودكم )) . ويستحب ‏له أن يكثر من الدعاء لقوله عليه الصلاة والسلام : - (( أقرب ما يكون ‏العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ‏‏)) وكان من الدعاء المشروع أن يقول :- (( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ‏، اللهم اغفر لي )) وكذلك (( سبّوح قدوس رب الملائكة والروح )) ‏وكذلك (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، ويا مصرف القلوب ‏صرّف قلوبنا على طاعتك )) ‏
‏-9- يرفع من سجوده ويجلس بين السجدتين ، ويضع يديه على ركبتيه أو ‏على فخذيه ، ويدعوا بما ورد ، وقد ورد في هذه المواضع عشرة ألفاظ ‏يدعوا بها (( رب اغفر لي ، وارحمني ، واهدني ، وعافني ، وارزقني ، ‏وانصرني ، واجبرني ، وارفعني ، واعفوا عني ))‏
وقد جاء أيضاً ولا حرج أن يقول ذلك كله (( رب إني لما أنزلت إلي من ‏خير فقير)) ‏
‏** يسجد السجدة الثانية كطبيعة السجدة الأولى ‏‎.‎
‎0-‎‏ 1- يقوم بعد السجدة الثانية إلى الركعة الثانية وإن جلس قبل أن يقوم ‏للركعة الثانية جلسة خفيفة فهذا حسن وهذه الجلسة تعرف عند الفقهاء ‏ب(( جلسة الاستراحة )) وقد جاء فيها أحاديث عن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم منها حديث مالك بن الحويرث في صحيح البخاري أنه رأى ‏النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وترٍ من صلاته ‏‎–‎‏ يعني إذا ‏انتهى من الركعة الأولى أو الثالثة ‏‎–‎‏ لم ينهض حتى يستوي قاعداً )) وهذا ‏الحديث ‏‎–‎‏ حديث مالك بن الحويرث ‏‎–‎‏ هو أشهر الأحاديث في الباب كما ‏قال الحافظ ابن حجر ، ومن ميزاته أنه لم يرد إلا على هذه الصورة ، فكل ‏أحاديث مالك بن الحويرث فيها ذكر هذه الجلسة الخفيفة بعد الركعة الأولى ‏وبعد الركعة الثالثة ، وقد جاء أيضاً حديث أبي حميد الساعدي في صفة ‏صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه يرفع من السجود ثم يقول (( الله ‏أكبر )) ثم يثني رجله فيقعد عليها معتدلاً )) وهذا اللفظ رواه أبو داود ‏والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وحديث أبي حميد جاء فيه رواية ‏أخرى سكت عن جلسة الإستراحه ، وجاء في رواية ثالثة نفى أن يكون ‏جلس قال (( ثم يقوم ولا يتورك )) ومثله أيضاً حديث أبي هريرة في ‏قصة المسىء صلاته وأن النبي صلى الله عليه وسلم جلس تلك الجلسة ، ‏وقد رواها البخاري في الأوجه الثلاثة ، فمرة ذكر هذه الجلسة الخفيفة ، ‏ومرة سكت عنها ، ومرة ذكر ما يدل على أنه تركها . ومثله أيضاً حديث ‏رفاعة بن رافع في قصة المسىء صلاته ، وقد اختلف أهل العلم كثيراً ‏‎–‎‏ ‏فقال بعضهم سنة أن تجلس هذه الجلسة الخفيفة ، وقال بعضهم مكروه ، ‏وقال بعضهم يفعلها للحاجة ، والأوْلى والأقرب ‏‎–‎‏ والله أعلم ‏‎–‎‏ أن يفعلها ‏تارة ويتركها تارة جمعاً بين النصوص ، وهذا ما كان يفعله الإمام أحمد ‏كما في كتاب (( مسائل الإمام أحمد لابن هانىء)‏
فإنه قال كان يفعلهما مرة ويتركها ، وفي ذلك جمعٌ بين الأقوال . ولو ‏حافظ الإنسان على هذه الجلسة لم يكن عليه في ذلك من حرج أو بأس إذا ‏اعتقد سُنيتها ، لأن أمامه أدله قوية وأمامه علماء جهابذه عظام قالوا ‏بمشروعية هذه الجلسة في كل حال وعلى الإطلاق .‏
‏-11- التشهد الأول والجلوس له وهو واجب وقال أكثر أهل العلم هو سنة ‏ويقرأ في هذا التشهد بالتحيات . وإن صلّى على النبي صلى الله عليه ‏وسلم في هذا التشهد أحياناً فحسن لثبوته عن بعض الصحابة ، هذا ‏بالنسبة للتشهد الأول .‏
‎•‎ أما التشهد الأخير فهو ركن ولا بد فيه من الصلاة عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم ويدعوا في التشهد الأخير بما أحب من خيري الدنيا ‏والآخرة ، ومن الأدعية الواردة ‏‎–‎‏ كما في الصحيحين ‏‎–‎‏ (( أعوذ بالله ‏من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن ‏فتنة المسيح والدجال )) بل قال بعض أهل العلم هذا الدعاء واجب ، ‏وأمر طاووس ابنه لما ترك هذا الدعاء أن يعيد صلاته ، ومن الدعاء ‏الوارد ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنه لا يغفر ‏الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنك أنت ‏الغفور الرحيم )) ‏
ومنه أيضاً (( اللهم أعني على ذكرك وشكرك ، ، وحسن عبادتك )) ومنه ‏‏(( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما ‏أسرفت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ..)) إلى غير ذلك من ‏الأدعية .‏
‏-12- أما الجلسات في الصلاة فهي نوعان :-‏
النوع الأول - : الإفتراش:- وهو أن يقعد على رجله اليسرى ‏وينصب رجله اليمنى وهذا يكون في القعدة بين السجدتين ، ويكون في ‏التشهد الأول أيضاً ، ويكون أيضاً في التشهد الأخير في الصلاة التي ليس ‏فيها إلا تشهد واحد كصلاة الفجر أو النافلة ونحوها . ‏
النوع الثاني :- التورُّك :- ويُقصد به أن يُفضي الإنسان ‏بمقعدته إلى الأرض ويجعل قدميه عن يمينه ، فينصب اليمنى ويجعل ‏اليسرى مفروشة تحتها ، أو يجعل اليسرى بين فخذه وساقه أو غير ذلك . ‏وهذه القعدة ‏
‏(( التورك )) إنما تفعل في التشهد الأخير في الصلاة التي يكون فيها ‏تشهدان كصلاة المغرب أو العشاء أو الظهر أو العصر . وقيل بل يفترش ‏في كل تشهد . وقيل بل يتورك في كل تشهد . والاعتدال أنه يتورك في ‏التشهد الأخير من الصلاة الثلاثية والرباعية ويفترش في التشهد الأول في ‏الصلاة الثلاثية والرباعية وكذلك في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد ‏‏.‏
‏-13- هناك صفات متنوعة في بعض الأعمال في الصلاة :- مثل الاستفتاح ‏‏: فينبغي أن ينوع العبد ، فمرة يستفتح بدعاء ومرة بدعاء آخر ، حتى لا ‏يكون ذلك على سبيل العادة ، ويقرأه دون أن يتدبره أو يتأمله أو ينتبه ‏إليه .‏
ومثله أيضاً أدعية الركوع والسجود ، ومثله أنواع التشهدات الواردة ‏عن الرسول صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن مسعود : - (( التحيات لله ‏والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام ‏علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لاإله إلا الله ، وأشهد أن محمداً ‏عبده ورسوله ))
أو تشهد ابن عباس : - (( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله )) أو ‏تشهد عائشة أو تشهد عمر أو تشهد أبي موسى أو عيرهما .‏
ومثله أيضاً الجهر بالبسملة أو الإسرار بها ، فقد جاء في بعض الأحاديث ‏وهي صحيحة ومذهب كثير من أهل العلم أنه يجهر بالبسملة ‏‎–‎‏ يعني ‏الإمام ‏‎–‎‏ في الصلاة الجهرية من سورة الفاتحة ، وقال آخرون بل يُسرُّ بها ‏، والأقرب كما رجحه الإمام ابن القيم وغيره ‏‎–‎‏ أن الغالب أنه يُسرُّ بها ‏ولكنه يجهر بها أحياناً كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم .‏
ومثله أيضاً التسليم فقد سلّم النبي صلى الله عليه وسلم مرة فقال :- } ‏السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته { ‏ومرة أخرى قال } السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، السلام عليكم

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:03 PM
ورحمة الله { . والغالب أنه كان يقول } السلام عليكم ورحمة الله ، السلام ‏عليكم ورحمة الله { . وربما قال }السلام عليكم ، السلام عليكم { ‏
وكل ذلك جائز ويتم به الانصراف من الصلاة وأكثر ما كان يفعله النبي ‏صلى الله عليه وسلم } السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة ‏الله { . ومما ينبغي أن يُعلم أن الواجب هو التسليمة الأولى فقط ، أما ‏التسليمة الثانية فهي سنة نقل ابن المنذر إجماع العلماء على عدم ‏وجوبها .‏
‏-14- هل يشرع للإنسان أن يسبّح الله تعالى ويسأله ويستعيذ إذا سمع ‏من الإمام آيات فيها سؤال أو استعاذة أو تسبيح ؟ ‏
يعني : - هل يشرع له أن يقول (( سبحانك )) إذا جاء ذكر الله تعالى أو ‏يسأل الله الجنة إذا جاء ذكر الجنة ، أو يستعيذ من النار إذا جاء ذكر النار ‏؟ ‏
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في صلاة الليل كما في حديث ‏حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة والنساء وآل عمران ، لا يمر ‏بآية فيها تسبيح إلا سبّح ، ولا تعوذ إلا إستعاذ ، ولا سؤال إلا سأل )) . ‏
ومثله حديث عوف بن الأشجعي ، كما روى موسى بن أبي عائشة قال (( ‏كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فوق سطح ‏بيته فكان إذا قرأ قول الله تعالى :- (( أليس ذلك بقادرٍ على أن ‏يحيي الموتى )) قال سبحانك فبلى ، سبحانك فبلى فسأله : فقال ‏سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )) والحديث رواه أبو ‏داود وسنده جيد وفي المسألة أقوال ، قيل يكره ذلك مطلقاً في ‏الفريضة والنافلة ، وقيل هو مشروع مطلقاً ، والاعتدال أن ذلك ‏مشروع في النافلة لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ‏جائز في الفريضة أيضاً فلا دليل على منعه ، والأصل أن ما جاز ‏في النفل جاز في الفرض إلا أن يدل الدليل على غير ذلك ، وقد ثبت ‏عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسبحون الله تعالى ، ويسألونه ‏ويستعيذون به في الفريضة .‏
‏-15- الأدعية والأذكار في أدبار الصلوات المكتوبات : كان صلى الله عليه ‏وسلم إذا انصرف من صلاته قال قبل أن يلتفت إلى الناس (( ‏استغفر الله ، استغفر الله ، استغفر الله اللهم أنت السلام ومنك ‏السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام )) ثم التفت إلى الناس ، وقال : ‏‏(( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على ‏كل شيء قدير )) ثلاث مرات ، وفي المغرب والفجر كان يقولها ‏عشراً ، وكان يجهر بها صلى الله عليه وسلم ، إلى أدعية وأذكار ‏أخرى كثيرة كان يقولها ، منها (( اللهم أعني على ذكرك ، وشكرك ‏، وحسن عبادتك )) (( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ‏منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) (( اللهم إني أعوذ بك من الجبن ‏و .. )) إلى غير ذلك من الأدعية والأذكار ، وكذلك كان يقرأ آية ‏الكرسي دبر كل صلاة وسورة الإخلاص (( قل هو الله أحد )) و (( ‏قل أعوذ برب الفلق )) و (( قل أعوذ برب الناس )) دبر كل مكتوبة ‏‏. وينبغي أن يُراعى في مسألة الجهر والإسرار أمور منها : ألا ‏يكون الجهر شديداً بحيث يؤذي من حوله ومن وراء ة بل يجهر ‏جهراً معتدلاً حتى تختلط الأصوات ، ويضيع بعضها في بعض ولذلك ‏قال النبي صلى الله عليه وسلم في ما رواه أهل السنن ‏‎–‎‏ وسنده ‏صحيح ‏‎–‎‏ كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض )) ففي ‏المسجد ذاكرون وفيه من يقضي الصلاة ، وفيه أناس .. فينبغي أن ‏يجهر الإنسان بقدر ما يسمعه من حوله ، ويكون للجهر دوي لا ‏يتميز ، فلا يؤذي بذلك أحد ويكون فيه تعليم للجاهل , ورفع للذكر ، ‏وطرد للشيطان ، واتباع لسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ‏
‏ رابعاً : - آداب ومناقب : - ‏
‏ -1- المصلي يجب أن يكون قدوة في عمله وقوله وسلوكه ، ‏أولئك المترددون على المساجد رمز للهداية، ورمز للتقوى ، ورمز للدين ‏والطاعة ، فينبغي أن يكون من تعظيمهم لقدر الصلاة أن يحرصوا على أن ‏يكونوا قدوة في أعمالهم وأقوالهم لئلا يؤخذ عليهم شيء . ‏
‏-2- ينبغي احترام المساجد بتنظيفها وتطييبها وتطهيرها وحفظها ‏وصيانتها ، قال الله عز وجل (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ‏اسمه )) وحماية المساجد من كل ما يتنافى مع العبادة مثل البيع ‏والشراء فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، بل أمر أن يقال لمن ‏يبيع ويشتري (( لا أربح الله تجارتك )) ومثله الشعر ، تناشد الأشعار ، ‏يعني أن يتحول المسجد كأنه منتدى أدبي ، أو أمسية شعرية للقيل ‏والقال والأشعار والرد ، أما قراءة الأبيات المناسبة فهذا لا بأس به ، ‏ومثله أيضاً رفع الأصوات في المساجد والجدل العقيم ومثله وضع ‏الصور والرسومات الملفتة في المساجد ، خاصة في جهة القبلة فإنها ‏تشغل المصلي ، وربما أخذت شيئاً من وقته ولهذا إذا كان في قبلة ‏المصلي ما يشغل بصره ، أو في جهة نظره في موضع سجوده ، فإنه لا ‏بأس حينئذٍ لهذا العارض الطارئ - أن يغمض عينيه إذا كان يحتاج إلى ‏ذلك ، وإلا فالأصل أن لا يغمض عينيه في الصلاة ولم يكن من هدي النبي ‏صلى الله عليه وسلم أن يغمض عينيه في الصلاة .‏
‏-3- ينبغي على المتردد على المسجد أن يحترم إخوانه من المصلين ،و ‏يحسن معاملتهم ، والهشاشة والبشاشة في وجوههم والبسمة لهم ، ‏والسؤال عن أحوالهم ، وتجنب ما يحرجهم أو يعنتهم أو يشق عليهم ، ‏فقد كان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم (( عزيز عليه ما عنتم ، ‏حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )) ومن ذلك أيضاً تجنب أن يطيل ‏الإنسان الصلاة أو القراءة طولاً يشق على من وراءه ، وقد عاتب النبي ‏صلى الله عليه وسلم معاذا وقال له : - (( أفتّان أنت يا معاذ ؟ )) وخاصة ‏في صلاة الفريضة لأنها واجبة على الجميع ، أما النافلة ‏‎–‎‏ كما هي الحال ‏في التراويح والقيام في رمضان ‏‎–‎‏ فالأمر أوسع لأن النافلة بإمكان الذي ‏يشق عليه ذلك كالكبير ، والمريض ، وغيرهم أن يقعد ، وبإمكانه أن ‏يصلي ما كتب الله له ثم يدع ما لا يطيق . ومثله أيضاً مراعاة المصلين ‏في أسلوب الوعظ والحديث بحيث يتلطف معهم ، ويحرص على التسلل ‏إلى قلوبهم بالكلمة الهادئة الهادفة. ‏
‏ خامسا: - تحذيرات نبوية : - ‏
التحذير الأول :- ترك الصلاة :- ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ‏تركها فقد كفر )) و (( وبين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة )) . ‏وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب بعضهم إلى أن من ترك الصلاة كفر ‏كفراً أكبر مخرج من الملة ، وقال بعضهم هو كفر أصغر . والأقرب ما ‏رجحه شيخ الإسلام ابن تيميه وغيره ونسبه إلى جماعة من العلماء ، أن ‏تارك الصلاة إن تركها بالكلية لا يصلي ليلاً ولا نهاراً ، لا مع الجماعة ولا ‏في بيته ، لا في رمضان ولا في غيره ، لا جمعة ولا جماعة ، فهو كافر . ‏أما إن كان يصلي ويترك ويصلي أحياناً وينشغل عنها فهذا على خطرٍ ‏عظيم ، وقد أتى باباً من أبواب الكبائر ، ويخشى أن يختم له بسوء وقد ‏يجره ذلك إلى ما هو اعظم منه ، لكن لا يحكم عليه بالردة والخروج من ‏الإسلام .‏
التحذير الثاني :- ترك الجماعة -:فإن الجماعة واجبة ، أمر بها النبي ‏صلى الله عليه وسلم وقال :- (( أثقل الصلوات على المنافقين صلاة ‏العشاء وصلاة الفجر ، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبواً )) وقال ‏صلى الله عليه وسلم :- (( صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبعٍ ‏‎–‎‏ وفي رواية ‏‎–‎‏ بخمسٍ وعشرين درجة )) إلى غير ذلك من النصوص ‏الدالة على أنه يلزم الإنسان أن يصلي مع الجماعة إذا كان صحيحاً مقيماً ‏معافى .‏
التحذير الثالث : - التساهل في الطهور :- فإنه على خطرٍ عظيم ، وقد ‏أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسن الإنسان وضوءه لصلاته .‏
التحذير الرابع :- عدم متابعة الإمام :- بحيث يسابقه الإنسان ، يركع ‏قبله أو يسجد قبله أو يوافقه أحياناً فيركع معه أو يسجد معه مع العلم أنه ‏لن يسلم إلا بعد سلام الإمام ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ‏المسابقة وحذر منها أشد التحذير وفي حديث البراء بن عازب في ‏الصحيح قال :- (( كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كنا ‏وراءه لم يحني أحد منا ظهره حتى تقع جبهته صلى الله عليه وسلم على ‏الأرض ، ثم يخر أحدنا بعد ذلك ساجداً )) فلا تنتقل إلى الركن إلا بعد أن ‏يتم انتقال الإمام إليه . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسل قال كا ‏في حديث أنس :- ((أيها الناس إنما أنا إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا ‏بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي )). وفي ‏حديث أبي هريرة أيضاً وهو في الصحيح :- ((أما يخشى الذي يرفع رأسه ‏قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار " وهذا من التشديد والوعيد ‏على من فعل ذلك ‏
التحذير الخامس :- رفع البصر إلى السماء : - خاصة حال الدعاء ، ‏وفي جميع الصلوات فإنه محرم ، وفي حديث جابر أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال :- (( .. لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء ‏أولا ترجع إليهم أبصارهم )) . ‏
التحذير السادس :- مسح الحصى والأرض والتراب باليد :- ‏وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : - (( إن كنت ولا بد فاعلاً ‏فواحدة )) وقال :- (( واحدة أو دعه )) ‏

‏** اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وصلنا ولا تقطعنا ، وجْد علينا بكريم نوالك ‏، وتتابع إفضالك . اللهم خذ بأيدينا إلى ما تحب وترضى . اللهم زكِّ أقوالنا ‏وأعمالنا وعقولنا وقلوبنا واهدنا ويسّر الهدى لنا ، اللهم لو عذبتنا لفعلت ‏وأنت غير ظالمٍ لنا ، ولو رحمتنا كانت رحمتك خير من أعمالنا . فيا من لا ‏يعاجل بالعقوبة ألهمنا حسن التوبة إليك ، وعظيم الزلفى لديك ، وجميل ‏التوكل عليك ، نحن بك وإليك ، تباركت وتعاليت ، اللهم إننا نناجيك بقلوب ‏أرهقتها الذنوب ، وندعوك وقد علمت ما فرط منا مما وسعه حلمك ، ‏وستره عفوك ، وغمره برك ، فيا أهل المغفرة اغفر لنا .. ويا أهل التقوى
استعملنا في طاعتك ، ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وسبحانك ‏وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك‎…‎‏ ‏

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:11 PM
الإمام أبى حامد الغزالى:‏

في الشروط الباطنة من أعمال القلب ولنذكر في هذا الباب ارتباط الصلاة ‏بالخشوع وحضور القلب ثم نذكر المعاني الباطنة وحدودها وأسبابها ‏وعلاجها ثم لنذكر تفصيل ما ينبغي أن يحضر في كل ركن من أركان ‏الصلاة لتكون صالحة لزاد الآخرة بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب ‏اعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى أقم الصلاة لذكري وظاهر ‏الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون ‏مقيما للصلاة لذكره وقوله تعالى ولا تكن من الغافلين نهى وظاهره ‏التحريم وقوله عز وجل حتى تعلموا ما تقولون تعليل لنهي السكران وهو ‏مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا وقوله صلى الله ‏عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع حصر بالألف واللام وكلمة إنما ‏للتحقيق والتوكيد وقد فهم الفقهاء من قوله صلى الله عليه وسلم إنما ‏الشفعة فيما لم يقصر الحصر والإثبات والنفي وقوله صلى الله عليه وسلم ‏من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وصلاة ‏الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر وقال صلى الله عليه وسلم كم من قائم ‏حظه من صلاته التعب والنصب حديث كم من قائم حظه من صلاته التعب ‏والنصب أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة رب قائم ليس له من قيامه ‏إلا السهر ولأحمد رب قائم حظه من صلاته السهر وإسناده حسن وما أراد ‏به إلا الغافل وقال صلى الله عليه وسلم ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ‏منها حديث ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل لم أجده مرفوعا وروى محمد ‏بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من رواية عثمان ابن أبي دهرش ‏مرسلا لا يقبل الله من عبد عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه ورواه أبو ‏منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي بن كعب ولابن المبارك ‏في الزهد موقوفا على عمار لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه ‏والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل حديث المصلي يناجي ربه ‏متفق عليه من حديث أنس كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس ‏بمناجاة ألبتة وبيانه أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلا فهي في نفسها ‏مخالفة للشهوة شديدة على النفس وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة ‏الهوى الذي هو آلة للشيطان عدو الله فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع ‏الغفلة وكذلك الحج أفعاله شاقة شديدة وفيه من المجاهدة ما يحصل ‏بهالإيلام كان القلب حاضرا مع أفعاله أو لم يكن أما الصلاة فليس فيها إلا ‏ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود فأما الذكر فإنه مجاورة ومناجاة ‏مع الله عز وجل فأما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة أو ‏المقصود منه الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل كما تمتحن المعدة ‏والفرج بالإمساك في الصوم وكما يمتحن البدن بمشاق الحج ويمتحن ‏بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع المال المعشوق ولا شك أن هذا القسم باطل ‏فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل فليس فيه امتحان من ‏حيث أنه عمل بل المقصود الحروف من حيث أنه نطق ولا يكون نطقا إلا ‏إذا أعرب عما في الضمير ولا يكون معربا إلا بحضور القلب فأي سؤال ‏في قوله إهدنا الصراط المستقيم إذا كان القلب غافلا وإذا لم يقصد كونه ‏تضرعا ودعاء فأي مشقة في تحريك اللسان به مع الغفلة لا سيما بعد ‏الاعتياد هذا حكم الأذكار بل أقول لو حلف الإنسان وقال لأشكرن فلانا ‏وأثني عليه وأسأله حاجة ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على ‏لسانه في النوم لم يبر في يمينه ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك ‏الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه إذ ‏لا يكون كلامه خطابا ونطقا معه ما لم يكن هو حاضرا في قلبه فلو كانت ‏تجري هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل ‏لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب إليه ‏عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار ‏الحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله عز وجل وقلبه ‏بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن ‏المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة ‏التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان ‏به هذا حكم القراءة والذكر وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها ‏في النطق وتمييزها عن الفعل وأما الركوع والسجود فالمقصود بهما ‏التعظيم قطعا ولو جاز أن يكون معظما لله عز وجل بفعله وهو غافل عنه ‏لجاز أن يكون معظما لصنم موضوع بين يديه وهو غافل عنه أو يكون ‏معظما للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه وإذا خرج عن كونه تعظيما ‏لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقة ما يقصد ‏الإمتحان به ثم يجعله عماد الدين والفاصل بين الكفر والإسلام ويقدم على ‏الحج وسائر العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص وما أرى ‏أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة إلا أن يضاف إليها ‏مقصود المناجاة فإن ذلك يتقدم على الصوم والزكاة والحج وغيره بل ‏الضحايا والقرابين التي هي مجاهدة للنفس بتنقيص المال قال الله تعالى ‏لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم أي الصفة التي ‏استولت على القلب حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة فكيف ‏الأمر في الصلاة ولا أرب في أفعالها فهذا ما يدل من حيث المعنى على ‏اشتراط حضور القلب فإن قلت إن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور ‏القلب شرطا في صحتها خالفت إجماع الفقهاء فإنهم لم يشترطوا إلا ‏حضور القلب عند التكبير فاعلم أنه قد تقدم في كتاب العلم أن الفقهاء لا ‏يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ولا في طريق الآخرة بل ‏يبنون أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح وظاهر الأعمال كاف لسقوط ‏القتل وتعزير السلطان فأما أنه ينفع في الآخرة فليس هذا من حدود الفقه ‏على أنه لا يمكن أن يدعي الإجماع فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه ‏عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري أنه قال من لم يخشع فسدت ‏صلاته وروى عن الحسن أنه قال كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى ‏العقوبة أسرع وعن معاذ بن جبل من عرف من على يمينه وشماله متعمدا ‏وهو في الصلاة فلا صلاة له وروي أيضا مسندا قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلمإن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنما ‏يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها حديث إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب ‏له سدسها ولا عشرها الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من ‏حديث عمار بن ياسر بنحوه وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهبا فكيف لا ‏يتمسك به وقال عبد الواحد بن زيد أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من ‏صلاته إلا ما عقل منها فجعله إجماعا وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء ‏المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى والحق الرجوع إلى ‏أدلة الشرع والأخبار والآثار ظاهرة في هذا الشرط إلا أن مقام الفتوى في ‏التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق فلا يمكن أن يشترط على الناس ‏إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين ‏وإذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له إلا أن يشترط منه ما ‏يطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة وأولى اللحظات به لحظة التكبير ‏فاقتصرنا على التكليف بذلك ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل ‏في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية فإنه على الجملة أقدم على العمل ‏ظاهرا وأحضر القلب لحظة وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسيا صلاته‏

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:12 PM
باطلة عند الله تعالى ولكن له أجر ما يحسب فعله وعلى قدر قصوره ‏وعذره ومع هذا الرجاء فيخشى أن يكون حاله أشد من حال التارك وكيف ‏لا والذي يحضر الخدمة ويتهاون بالحضرة ويتكلم بكلام الغافل المستحقر ‏أشد حالا من الذي يعرض عن الخدمة وإذا تعارض أسباب الخوف ‏والرجاء وصار الأمر مخطرا في نفسه فإليك الخيرة بعده في الاحتياط ‏والتساهل ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة ‏مع الغفلة فإن ذلك من ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه ومن عرف ‏سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها ولكن قد ذكرنا في باب الفرق بين العلم ‏الباطن والظاهر في كتاب قواعد العقائد أن قصور الخلق أحد الأسباب ‏المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع فلنقتصر على هذا ‏القدر من البحث فإن فيه مقنعا للمريد الطالب لطريق الآخرة وأما المجادل ‏المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن وحاصل الكلام أن حضور القلب هو ‏روح الصلاة وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير ‏فالنقصان منه هلاك وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة ‏وكم من حي لا حراك به قريب من ميت فصلاة الغافل في جميعها إلا عند ‏التكبير كمثل حي لا حراك به نسأل الله حسن العون بيان المعاني الباطنة ‏التي تتم بها حياة الصلاة اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ولكن ‏يجمعها ست جمل وهي حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء ‏والحياء فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها أما التفاصيل ‏فالأول حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ‏ومتكلم به فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر جائلا ‏في غيرهما ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ‏ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ‏ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب فربما يكون القلب ‏حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ فاشتمال القلب على ‏العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ‏ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات وكم من معان ‏لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله ‏ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر فإنها تفهم أمورا ‏تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور ‏القلب والفهم إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلبفيه ومتفهم ‏لمعناه ولا يكون معظما له فالتعظيم زائد عليهما وأما الهيبة فزائدة على ‏التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم لأن من لا يخاف لا يسمى ‏هائبا والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من ‏الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة بل الخوف من السلطان المعظم يسمى ‏مهابة والهيبة خوف مصدرها الإجلال وأما الرجا فلا شك أنه زائد فكم من ‏معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته والعبد ‏ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله عز وجل كما أنه خائف بتقصيره ‏عقاب الله عز وجل وأما الحياء فهو زائد على الجملة لأن مستنده ‏استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير ‏حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب وأما أسباب هذه المعاني ‏الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر ‏إلا فيما يهمك ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول ‏على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل ‏جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا علاج لإحضار ‏القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن ‏الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير ‏وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة ‏الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة وبمثل هذه ‏العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على ‏مضرتك ومنفعتك فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي ‏بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سببا سوى ضعف ‏الإيمان فاجتهد الآن في تقوية الإيمان وطريقه يستقصى في غير هذا ‏الموضع وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن ‏إلى إدراك المعنى وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على ‏الفكر والتشمر لدفع الخواطر وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها ‏أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها وما لم تنقطع ‏تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر فمن أحب شيئا أكثر ذكره فذكر ‏المحبوب يهجم على القلب بضرورة لذلك ترى أن من أحب غير الله لا ‏تصفو له صلاة عن الخواطر وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من ‏معرفتين إحداهما معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول ‏الإيمان فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه الثانية معرفة ‏حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من ‏المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم ‏وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم ‏والخشوع فإن المستغنى عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من ‏غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى ‏وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه وأما الهيبة والخوف ‏فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع ‏قلة المبالاة به وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة هذا ‏مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء ‏مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض وبالجملة ‏كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة وسيأتي أسباب ذلك في كتاب ‏الخوف من ربع المنجيات وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل ‏وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة ‏بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما ‏الرجاء لا محالة وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه ‏بالعجز عن القيام بعظيم حق الله عز وجل ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب ‏النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في ‏جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل والعلمبأنه ‏مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت وهذه المعارف إذا ‏حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء فهذه أسباب هذه ‏الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب ‏معرفة العلاج ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين أعني به هذه ‏المعارف التي ذكرناها ومعنى كونها يقينا انتفاء الشك واستيلاؤها على ‏القلب كما سبق في بيان اليقين من كتاب العلم وبقدر اليقين يخشع القلب ‏ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه وقد روي أن ‏الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني ‏وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل ‏لسانك من وراء قلبك وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل وناجني ‏بقلب وجل ولسان صادق وروي أن الله تعالى أوحى إليه قل لعصاة أمتك لا ‏يذكروني فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكروني ذكرتهم ‏باللعنة هذا في عاص غير غافل في ذكره فكيف إذا اجتمعت الغفلة ‏والعصيان وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى ‏غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها وإلى من يتمم ولم يغب ‏قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري ‏بين يديه ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الأسطوانة في المسجد ‏اجتمع الناس عليها وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:13 PM
على يمينه ويساره ووجيب قلب إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان ‏يسمع على ميلين وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم وكل ‏ذلك غير مستبعد فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك ‏الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم حتى يدخل ‏الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج ولو سئل عمن حواليه ‏أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ‏ثوبه وعن الحاضرين حواليه ولكل درجات مما عملوا فحظ كل واحد من ‏صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فإن موضع نظر الله سبحانه القلوب ‏دون ظاهر الحركات ولذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم يحشر ‏الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ‏ومن وجود النعيم بها واللذة ولقد صدق فإنه يحشر كل على ما مات عليه ‏ويموت على ما عاش عليه ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه فمن ‏صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو إلا من أتى الله ‏بقلب سليم نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه بيان الدواء النافع في ‏حضور القلب اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا ‏منه وراجيا له ومستحييا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه ‏وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا ‏تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة ‏ولا يلهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة فالدواء في إحضار ‏القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه ‏وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا أما ‏الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى ‏يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون ‏الإبصار سببا للافتكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض ومن قويت ‏نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لا بد وأن ‏يتفرق به فكره وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلى في ‏بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته ‏حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز من الصلاة على الشوارعوفي ‏المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة ولذلك كان ‏المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك ‏أجمع للهم والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا ‏يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من ‏على يمينهم وشمالهم وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع ‏الصلاة مصحفا ولا سيفا إلا نزعه ولا كتابا إلا محاه وأما الأسباب الباطنة ‏فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في ‏فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا يغنيه فإن ‏ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل فهذا طريقة أن يرد النفس قهرا إلى ‏فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعد ‏له قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر ‏المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة ‏عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم لعثمان بن أبي شيبة إني نسيت أن أقول لك أن تخمر القدر ‏الذي في البيت حديث إني نسيت أن أقول لك بخمر القربتين اللتين في ‏البيت الحديث أخرجه أبو داود من حديث عثمان الحجبي وهو عثمان بن ‏طلحة كما في مسند أحمد ووقع للمصنف أنه قال ذلك لعثمان بن أبي شيبة ‏وهو وهم فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم ‏فهذا طريق تسكين الأفكار فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء ‏المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق ‏وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب ولا شك أنها ‏تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات لشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع ‏عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد ‏دينه وجند إبليس عدوه فإمساكه أضر عليه من إخراجه فيتخلص منه ‏بإخراجه كما روى أنه صلى الله عليه وسلم لما لبس الخميصة التي أتاه ‏بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته وقال صلى الله عليه ‏وسلم اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني ‏بأنبجانية أبي جهم حديث نزع الخميصة وقال ائتوني بأنبجانية أبي جهم ‏متفق عليه من حديث عائشة وقد تقدم في العلم وأمر رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديدا فأمر ‏أن ينزع منها ويرد الشراك الخلق حديث أمره بنزع الشراك الجديد ورد ‏الشراك الخلق إذ نظر إليه في صلاته أخرجه ابن المبارك في الزهد من ‏حديث أبي النضر مرسلا بإسناد صحيح وكان صلى الله عليه وسلم قد ‏احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال تواضعت لربي عز وجل كي لا ‏يمقتني ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه ثم أمر عليا رضي الله عنه ‏أن يشتري له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما حديث احتذى نعلا فأعجبه ‏حسنها فسجد وقال تواضعت لربي الحديث أخرجه أبو عبد الله ابن حقيق ‏في شرف الفقراء من حديث عائشة بإسناد ضعيف وكان صلى الله عليه ‏وسلم في يده خاتم من ذهب قبل التحريم وكان على المنبر فرماه وقال ‏شغلني هذا نظرة إليه ونظرة إليكم حديث رميه بالخاتم الذهب من يده وقال ‏شغلني هذا نظرة إليه ونظرة إليكم أخرجه النسائي من حديث ابن عباس ‏بإسناد صحيح وليس فيه بيان أن الخاتم كان ذهبا ولا فضة إنما هو مطلق ‏وروى أن أبا طلحة صلى في حائط وفيه شجر فأعجبه دبسي طار في ‏الشجر يلتمس مخرجا فأتبعه بصره ساعة ثم لم يدركم صلى فذكر لرسول ‏الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه من الفتنة ثم قال يا رسول الله هو ‏صدقة فضعه حيث شئت حديث إن أبا طلحة صلى في حائط له فيه شجر ‏فأعجبه ريش طائر في الشجر الحديث أخرجه في سهوه في الصلاة ‏وتصدقه بالحائط مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري ‏فذكره بنحوه وعن رجل آخر أنه صلى في حائط له والنخل مطوقة بثمرها ‏فنظر إليها فأعجبته ولم يدر كم صلى فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه ‏وقال هو صدقة فاجعله في سبيل الله عز وجلفباعه عثمان بخمسين ألفا ‏فكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكر وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة ‏وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره فأما ما ذكرناه من ‏التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر فذلك ينفع في الشهوات الضعيفة ‏والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ‏ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع ‏صلاتك في شغل المجاذبة ومثاله رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره ‏وكانت أصوات العصافير تشوش عليه فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ‏ويعود إلى فكره فتعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة فقيل له إن هذا ‏أسير السواني ولا ينقطع فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة فكذلك شجرة ‏الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب ‏العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار والشغل يطول في دفعها ‏فإن الذباب كلما ذب آب ولأجله سمي ذبابا فكذلك الخواطر وهذه الشهوات ‏كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا وذلك ‏رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد ومن انطوى باطنه ‏على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها ولا ليستعين بها ‏على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة فإن من ‏فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته وهمة الرجل مع قرة عينه فإن ‏كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ولكن مع هذا فلا ‏ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة ‏فهذا هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:15 PM
وصار الداء عضالا حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثوا ‏أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا وليته ‏سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط عملا ‏صالحا وآخر سيئا وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل ‏الماء الذي يصب في قدح مملوء بخل فبقدر ما ندخل فيه من الماء يخرج ‏منه من الخل لا محالة ولا يجتمعان بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في ‏القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة فنقول حقك إن كنت من ‏المريدين للآخرة أن لا تغفل أولا عن التنبيهات التي في شروط الصلاة ‏وأركانها أما الشروط السوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة ‏واستقبال القبلة والانتصاب قائما والنية فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر ‏في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة ‏والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم ‏العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءا بالفرح ‏والاستبشار مشحونا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى ‏والفوز يوم القضاء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أرحنا يا بلال حديث ‏بها أرحنا يا بلال أخرجه الدارقطني في العلل من حديث بلال ولأبي داود ‏نحوه من حديث رجل من الصحابة لم يسم بإسناد صحيح أي أرحنا بها ‏وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها صلى الله عليه وسلم وأما الطهارة ‏فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب ‏ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو ‏قلبك فاجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على ‏الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك وأما ستر ‏العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر ‏بدنك مرتع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي ‏لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل فاحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك ‏بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانهساتر وإنما يغفرها الندم ‏والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف ‏والحياء من مكامنهما فتدل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم ‏بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى ‏مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف وأما الاستقبال فهو صرف ظاهر ‏وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى أفترى أن صرف القلب ‏عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب ‏سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها ‏بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في ‏حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز ‏وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى ‏جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل ‏إلا بالتفرغ عما سواه وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا قام العبد إلى ‏صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه ‏حديث إذا قام العبد إلى صلاته وكان وجهه وهواه إلى الله انصرف كيوم ‏ولدته أمه لم أجده وأما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب ‏بين يدي الله عز وجل فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا مطأطئا ‏متنكسا وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع ‏والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر وليكن على ذكرك ههنا خطر القيام ‏بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في ‏الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك ‏بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله بل قدر ‏في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح ‏من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك ‏وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز ‏المسكين إلى قلة الخشوع وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة ‏عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا ‏تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده أو تخشين الناس ‏ولا تخشينه وهو أحق أن يخشى ولذلك لما قال أبو هريرة كيف الحياء من ‏الله فقال صلى الله عليه وسلم تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح ‏من قومك حديث قال أبو هريرة كيف الحياء من الله قال تستحي منه كما ‏تستحي من الرجل الصالح من قومك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ‏والبيهقي في الشعب من حديث سعيد بن زيد مرسلا بنحوه وأرسله ‏البيهقي بزيادة ابن عمر في السند وفي العلل الدارقطني عن ابن عمر له ‏وقال إنه أشبه شيء بالصواب لوروده من حديث سعيد بن زيد أحد العشرة ‏وروي من أهلك وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره ‏بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك ‏لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا ‏للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك وعظم في ‏نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي وعند هذا ‏ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر ‏وجهك من الخوف وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه ‏قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد إنك ‏لكاذب وإن كان الكلام صدقا كما شهد على المنافقين في قولهم إنه صلى ‏الله عليه وسلم رسول الله فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل ‏فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون ‏قولك الله أكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما ‏أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى ‏وعفوه وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك وجهت وجهي للذي فطر ‏السموات والأرض وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته ‏إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدسعن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه ‏بدنك عليه وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السماوات ‏والأرض فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق ‏ومتبع للشهوات أو مقبل على فاطر السموات وإياك أن تكون أول مفاتحتك ‏للمناجاة بالكذب والاختلاق ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه ‏عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام ‏فليكن قولك في الحال صادقا وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي أن يخطر ببالك ‏أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت ‏كاذبا فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من ‏الأحوال وإذا قلت وما أنا من المشركين فأخطر ببالك الشرك الخفي فإن ‏قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ‏ربه أحدا نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس وكن حذرا مشفقا ‏من هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من ‏المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل ‏والكثير منه وإذا قلت محياي ومماتي لله فاعلم أن هذا حال عبد مفقود ‏لنفسه موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ‏ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال ‏وإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف ‏قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك ‏له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها وأن استعاذتك بالله ‏سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك ‏فإن من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو يقتله فقال أعوذ منك بذلك الحصن ‏الحصين وهو ثابت على مكانه فإن ذلك لا ينفعه بل لا يعيذه إلا تبديل ‏المكان فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:17 PM
فلا يغنيه مجرد القول فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز ‏وجل عن شر الشيطان وحصنه لا إله إلا الله إذ قال عز وجل فيما أخبر ‏عنه نبينا صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن ‏من عذابي حديث قال الله تعالى لا إله إلا الله حصني أخرجه الحاكم في ‏التاريخ وأبو نعيم في الحلية من طريق أهل البيت من حديث علي بإسناد ‏ضعيف جدا وقول أبي منصور الديلمي إنه حديث ثابت مردود عليه ‏والمتحصن به لا معبود له سوى الله سبحانه فأما من اتخذ إلهه هواه فهو ‏في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل واعلم أن من مكايده أن ‏يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما ‏تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن ‏حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها فأما القراءة فالناس فيها ‏ثلاثة رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع ‏اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره وهي درجات أصحاب ‏اليمين ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه ‏ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون ‏لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب وتفصيل ترجمة المعاني أنك ‏إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله ‏سبحانه وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه وأن المراد بالاسم ههنا هو ‏المسمى وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن ‏الشكر لله إذ النعم من الله ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله ‏سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته ‏وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى فإذا قلت الرحمن الرحيم ‏فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك ‏ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك مالك يوم الدين أما العظمة ‏فلأنه لا ملك إلا لهوأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو ‏مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك إياك نعبد وجدد العجز والاحتياج والتبري ‏من الحول والقوة بقولك وإياك نستعين وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا ‏بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلا ‏لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين ثم ‏إذا فرغت من التعوذ ومن قولك بسم الله الرحمن الرحيم ومن التحميد ‏ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم ‏حاجاتك وقل إهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا ‏إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم ‏نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين ‏غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم ‏التمس الإجابة وقل آمين فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من ‏الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم قسمت ‏الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ‏سأل حديث قسمت الصلاة بيني وبينعبدي نصفين الحديث أخرجه مسلم ‏عن أبي هريرة يقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول الله عز وجل ‏حمدني عبدي وأثنى علي وهو معنى قوله سمع الله لمن حمده الحديث الخ ‏فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك ‏بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله وكذلك ينبغي أن تفهم ما ‏تقرؤه من السور كما سيأتي في كتاب تلاوة القرآن فلا تغفل عن أمره ‏ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه ولكل ‏واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الأمر ‏والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق ذكر المنة والاعتبار حق إخبار ‏الأنبياء وروي أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى فإذا نقر في ‏الناقور خر ميتا وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى إذا السماء ‏انشقت اضطرب حتى تضطرب أوصاله وقال عبد الله بن واقد رأيت ابن ‏عمر يصلي مغلوبا عليه وحق له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده فإنه ‏عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر وتكون هذه المعاني بحسب درجات ‏الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا ‏تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق ‏القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعى الهيبة في ا لقراءة ‏فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل ويفرق بين نغماته في آية الرحمة ‏والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد كان النخعي إذا مر ‏بمثل قوله عز وجل ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله يخفض ‏صوته كالمستحيي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به وروي أنه يقال ‏لقارىء القرآن إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا حديث يقال ‏لصاحب القرآن اقرأ وارق الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ‏من حديث عبد الله بن عمر وقال الترمذي حسن صحيح وأما دوام القيام ‏فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور ‏قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت ‏إن الله يقبل على المصلي ما لم يلتفت أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم ‏وصحح إسناده أبي ذر وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى ‏الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة فإذا التفت ‏إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة ‏المناجي ليعود إليه وألزم لخشوع القلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا ‏وظاهرا ثمرة الخشوع ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله ‏عليه وسلم وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته أما هذالو خشع قلبه ‏لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي ولهذا ورد في الدعاء اللهم ‏أصلح الراعي والرعية حديث اللهم أصلح الراعي والرعية لم أقف له على ‏أصل فسره المصنف بالقلب والجوارح وهو القلب والجوارح وكان ‏الصديق رضي الله عنه في صلاته كأنه وتد وابن الزبير رضي الله عنه ‏كأنه عود وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه ‏جماد وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا ‏يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك وكل من يطمئن ‏بين يدي غير الله عز وجل خاشعا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثا ‏فذلك لقصور معرفته عن جلال الله عز وجل وعن اطلاعه على سره ‏وضميره وقال عكرمة في قوله عز وجل الذي يراك حين تقوم وتقلبك في ‏الساجدين قال قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه وأما الركوع والسجود ‏فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا ‏بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتبعا سنة نبيه صلى الله عليه ‏وسلم ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد ‏خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك وتستعين على ‏تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من ‏كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار ثم ترتفع من ركوعك ‏راجيا أنه راحم لك ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك سمع الله لمن حمده أي ‏أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول ربنا لك ‏الحمد وتكثر الحمد بقولك ملء السموات وملء الأرض ثم تهوى إلى ‏السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من ‏أذل الأشياء وهو التراب وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على ‏الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل وإذا وضعت نفسك ‏موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من ‏التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل سبحان ‏ربي الأعلى وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك ‏وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف ‏والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا رب

أحمد سعد الدين
01-13-2004, 10:18 PM
اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم أو ما أردت من الدعاء ثم أكد التواضع ‏بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس ‏متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من ‏الأخلاق الطاهرة لله وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات وأحضر في قلبك ‏النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه الكريم وقل سلام عليك أيها النبي ‏ورحمة الله وبركاته وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى ‏منه ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين ثم تأمل أن يرد ‏الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له تعالى ‏بالوحدانية ولمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا عهد الله ‏سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها ثم ادع في آخر ‏صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال ‏وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين واقصد ‏عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به ‏واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة وتوهم أنك ‏مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها وقال صلى الله عليه وسلم ‏للذي أوصاه صل صلاة مودع ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير ‏في ا الصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو ‏باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقلبها بكرمه وفضله كان ‏يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآبة الصلاةوكان ‏إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض فهذا تفصيل صلاة الخاشعين ‏الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم على صلواتهم يحافظون والذين ‏هم على صلاتهم دائمون والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في ‏العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة فبالقدر الذي يسر له ‏منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر وفي مداراة ذلك ‏ينبغي أن يجتهد وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته ‏والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا ‏بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته واعلم أن ‏تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله عز وجل وأداءها ‏بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب ‏لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة فأولياء ‏الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون ‏في الصلاة لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود ‏ولذلك قال تعالى واسجد واقترب وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر ‏صفائه عن كدورات الدنيا ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة ‏وبالجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم ‏الشيء بمثاله كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في ‏صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة ‏فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ‏ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت ‏أسباب خفية لا تحصى وأشدها مناسبة الهمة فإنها إذا كانت مصروفة إلى ‏شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا ‏في المرائي الصقيلة وكانت المرآة كلها صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا ‏لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث متراكم الصدأ على مصب الهداية ‏تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك إذ الطبع مجبول على إنكار غير ‏الحاضر ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء ‏ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت ‏السموات والأرض وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده ومن أنكر ‏طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة وقد خلق الخلق أطوارا فلا ينبغي ‏أن ينكر كل واحد ما وراء درجته نعم لما طلبوا هذا من المجادلة ‏والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز ‏وجل فقدوه فأنكروه ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن ‏بالغيب ويصدق به إلى أن يشاهد بالتجربة ففي الخبر إن العبد إذا قام في ‏الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت ‏الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه وإن ‏المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد لو ‏علم هذا المناجي ما التفت وإن أبواب السماء تفتح للمصلين وإن الله عز ‏وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي حديث إن العبد إذا قام في الصلاة رفع ‏الله الحجاب بينه وبين عبده الحديث لم أجده ففتح أبواب السماء ومواجهة ‏الله تعالى إياه بوجهه كناية عن الكشف الذي ذكرناه وفي التوراة مكتوب ‏يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله الذي اقتربت من ‏قلبك وبالغيب رأيت نوري قال فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح ‏الذي يجده المصلي في قلبه من دنو الرب سبحانه من القلب وإذا لم يكن ‏هذا الدنو هو القرب بالمكان فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة ‏وكشف الحجاب ويقال إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشرة صفوف ‏من الملائكة كل صف منهم عشرة آلاف وباهى الله به مائة ألف ملك وذلك ‏أن العبد قد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد ‏فرق الله ذلك على أربعين ألف ملك فالقائمونلا يركعون إلى يوم القيامة ‏والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة وهكذا الراكعون والقاعدون فإن ما ‏رزق تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم مستمر على حال واحد لا يزيد ‏ولا ينقص لذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا وما منا إلا له مقام معلوم وفارق ‏الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة فإنه لا يزال يتقرب إلى ‏الله تعالى فيستفيد مزيد قربه وباب المزيد مسدود على الملائكة عليهم ‏السلام وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه وعبادته التي هو ‏مشغول بها لا ينتقل إلى غيرها ولا يفتر عنها لا يستكبرون عن عبادته ولا ‏يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومفتاح مزيد الدرجات هي ‏الصلوات قال الله عز وجل قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ‏خاشعون فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ‏ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال تعالى والذين هم على ‏صلواتهم يحافظون ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات أولئك هم الوارثون ‏الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة ‏الفردوس آخرا وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا ‏الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك ‏من المصلين فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله ‏تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن ‏يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم ‏الإحسان.‏



أحمد سعد الدين - القاهرة‏
‏ ‏